A Cikin Adabin Zamani
في الأدب الحديث
راع كرومر حينما فكر في نشر الثقافة الإنجليزية ذلك البناء الضخم من الثقافة الفرنسية الذي شيدته همم الإرساليات التبشيرية، البعثات العلمانية، وتشجيع الحكومة الفرنسية وأموال رجال الاقتصاد والأعمال من أهل فرنسا، وهالته كثرة المدارس الفرنسية بمصر، وحماس هؤلاء الذين تعلموا بها، أو في فرنسا ذاتها لنشر اللغة الفرنسية بمصر، وحماس هؤلاء الذين تعلموا بها، أو في فرنسا ذاتها لنشر اللغة الفرنسية، وآدابها، ورأى أن الفرنسيين قد بذلوا غاية جهدهم لمساعدة هؤلاء الذين يتخرجون في مدارسهم فاشترطوا على الإنجليز -أول سني الاحتلال- أن يظل لهم النفوذ الأول ببعض المصالح الحكومية، كما كان قبل الاحتلال، فخلصت لهم إدارة مصلحة الآثار المصرية، التي أشرفوا عليها منذ أن اكتشف "حجر رشيد". وخلصت لهم كذلك إدارة مدرسة الحقوق، واستولوا بأموالهم وقروضهم وشركاتهم، ومؤسساتهم التجارية على أكثر من نصف المصالح الاقتصادية والأموال المنقولة بمصر1 ووجد الشبان المصريون # والأجانب الذين يتخرجون في مدارسهم مجال العمل فسيحا في شركاتهم ومؤسساتهم الاقتصادية والمالية كما ذكرنا آنفا.
ولانتشار نفوذهم بين الأجانب وإقبالهم على مدارسهم صارت اللغة الفرنسية هي لغة المعاملات التجارية سواء بين الأجانب بعضهم وبعض أو بينهم وبين المصريين، واضطرت المحاكم المختلطة أن تصدر تسعة أعشار أحكامها باللغة الفرنسية، فضلا عن المواطنين الذين يجب عليهم أن يحسنوا هذه اللغة ليتعاملوا مع جمهور المتقاضين.
وعلى الرغم من الاحتلال الإنجليزي، وطول أمده. والمحاولات التي بذلها كرومر، وبذلها "دانلوب" من بعده فقد ظلت اللغة الفرنسية هي اللغة الأولى في السوق المصرية ردحا طويلا وظلت كذلك لغة التخاطب بين الأجانب المختلفي الجنسية المقيمين بمصر. لقد استجابت فرنسا والفرنسيون لنصيحة نابليون التي يقول فيها: "علموا اللغة الفرنسية ففي تعليمها خدمة الوطن الحقيقية".
رأى كرومر المستعمر الإنجليزي الأول كل هذا النفوذ للثقافة الفرنسية، ورأى أن قدم الاحتلال لن تطمئن بهذه الديار إلا إذا عمل على إضعاف هذا النفوذ الفرنسي المكين ومكن للغة الإنجليزية، وأجبر المصريين على قبولها لغة أجنبية لها المكانة الأولى في البلاد وقد سلك في تحقيق هذه الغاية عدة طرق منها:
الكف عن إرسال البعثات إلى أوربا بعامة، وفرنسا بخاصة؛ لأنه رأى رأى العين ما قدمه رجال البعثات لوطنهم من أياد بيضاء في كل سبيل من سبل النهضة، وكل باب من أبواب القوة، منذ عصر محمد علي حتى زمن الاحتلال المشئوم، وأن هؤلاء الرجال الذين اختيروا من صميم الريف صاروا فيما بعد القادة المفكرين، والعلماء الناصحين، والساسة القادرين، وأنهم نهضوا باللغة العربية نهضة عظيمة فدبت فيها روح الحياة، وأخذت تستعيد سابق قوتها بترجمة كثير من الكتب العلمية في الطب والهندسة، والحيل "الميكانيكا"؛ والرياضة والقانون والجغرافيا والتاريخ، والاجتماع والاقتصاد وغير ذلك على النحو الذي فصلناه في الجزء الأول من هذا الكتاب.
Shafi 37