Fath Carab Li Misr
فتح العرب لمصر
Nau'ikan
كانت سرية من ثلاثة آلاف فارس أرسلها النبي تسير في الصحراء إلى مؤتة لتثأر لرسوله الذي قتل. ومن ذلك الحين بدأت الحرب مع الدولة الرومانية، فلم تنته حتى كانت سنة 1453، وفيها سلمت القسطنطينية للإسلام، ونقش اسم النبي العربي حيث هو اليوم على جدران الكنيسة الكبرى كنيسة «أيا صوفيا». وقد جاءت جنود الدولة فالتحمت بجيش العرب يقوده زيد بن حارثة قرب «مؤتة»، وكانت صدمة القتال عنيفة، فقتل أكثر القادة حتى ولي القيادة خالد بن الوليد، واستطاع بما له من مهارة فائقة في الحرب ورأي سديد أن يحفظ المسلمين من القتل، وقد سمي من ذلك الحين بسيف الله، فانحاز بمن بقي منهم، وسار إلى المدينة في أسف شديد، ولكن النبي تلقاهم ولم تفلل الهزيمة من عزمه. وما أتى آخر شهر أكتوبر حتى جهز عمرو بن العاص في سرية صغيرة وبعثه إلى أكناف الشام، وانتظر كي يتم نشر الدعوة في بلاد العرب ثم يخرج إلى من حوله فيناجزهم في حرب عظيمة. وقد تم له فتح مكة ثم انتصر في حنين، فسار ذكره وسادت هيبته بعد ذلك كل ربوع بلاد العرب.
ثم أخذ في إعداد جيش، وجاهر بأنه لغزو فلسطين، يدفعه إيمانه وما في قلبه من شعور قوي بأمانته إلى الاستهانة بما قد يلقى من العقبات، ولكن كثيرا من أصحابه استصعبوا الأمر، فدل ذلك على أن إيمانهم لم يعصمهم من هيبة هرقل. وكان يحب أن يجتمع عنده مائة ألف رجل مجهزين بالعدد، ولكن لم يجتمع إليه إلا ثلاثون ألفا، وتخلف عنه المنافقون والمعذرون الذين ادعوا المرض هربا. وسار في هذا الجمع إلى «تبوك»، وهي في نصف الطريق إلى مؤتة، فأقام بها عشرة أيام ولم يلق كيدا. ولعل ربيئته قد حملت إليه من الأخبار ما جعله لا يتقدم إلى الشمال إلى أبعد من ذلك، أو لعله عاد لقلة الزاد والماء معه؛ فإنه قد عاد إلى المدينة وقضى بها عاما يعد جيشا لغزوة جديدة. وفي أثناء مقامه في «تبوك» عقد عهودا مع كثير من أمراء العرب، وأرسل خالدا في أربعمائة فارس إلى أمير «دومة» النصراني، فنزل عليه على غرة منه وأسره، ثم أسلم ذلك الأمير، وأخذ منه النبي أرضه ومدينته وحصنه وثلاثة آلاف من الإبل وأربعمائة درع.
17
وعلى كل حال فإن غزوة «تبوك» وإن لم يصل النبي منها إلى غرضه من لقاء الروم لم تؤخر سير الإسلام؛ فقد تتابع أمراء العرب إلا قليلا منهم على الدخول في الإسلام، وشهد ذلك العام دخول الناس جميعا تحت لوائه؛ ومن ثم سمي «عام الوفود». وكانوا جميعا يتبعونه ويرونه سيدا وقائدا ورسولا من عند الله، بعضهم يرى ذلك صدقا عن عقيدة وإيمان، وبعضهم يتراءى ذلك خوفا ونفاقا. وفي عام 632
18
حج النبي إلى مكة حجة الوداع، وقام بين المؤمنين لا يحصرهم عد، وعلمهم شعائر الحج إلى الكعبة التي أصبحت بيتهم الحرام بعد أن كانت معبد الأوثان، وقرر شعائر الحج التي لا تزال متبعة إلى اليوم. وبعد شهرين من منصرفه من الحج أخذ يدعو العرب إلى غزو الروم، وجعل قيادة الجيش إلى أسامة ابن مولاه زيد الذي قتل في وقعة «مؤتة»، ولكنه مرض بعد ثلاثة أيام من عقده لأسامة على الجيش، وكان مرضه بالحمى، وتوفي من مرضه ذاك بعد قليل.
على أن وفاة النبي لم تضعف الإسلام، بل شدت ساعده؛ فإنه اهتز حينا، ولكنه كان راسخ الأساس؛ فلم تكن تلك الهزة التي جاءته من داخل جزيرة العرب لتحدث فيه أثرا. وقد مات النبي بعد أن أتم ما تاقت إليه نفسه في حياته، وإن لم يكن ذلك في الوقت الذي كان فيه على ذروة النصر والقوة، فكان في ذلك على غير ما كان عليه هرقل عند موته. وكان النبي لا يشعر عند موته بما يعكر صفاءه من أنه أخفق، أو أنه قد مضى عزه وتقادم العهد على نصره، بل إنه لو أتيح له أن يطلع على الغيب لعرف أنه قد ألف بين قومه وألبهم، فأصبحوا وقد خلفهم قوة ذات بأس في الدين وذات أثر في السياسة، وأنها ستفتح العالم بعد وفاته.
وكانت بلاد العرب قد صارت يدا واحدة قبل موت النبي، وقد انقطع بسقوط كسرى ما كان بين الفرس واليمن وجنوب أرض العرب من علاقة السلطان، في حين أن هرقل لم يعمل على تقوية سلطانه وتحديده في شمال الجزيرة، بل تركه كما هو ظلا غير حقيقي من الهيبة. ولا شك في أن جل نصارى العرب كانوا على المذهب «المونوفيسي»، وأنهم لذلك كانوا لا يثقون برأي الإمبراطور في السياسة، على أنهم كانوا ضعفاء لا يستطيعون دفع أعداء الدولة.
19
وإذا كان ثم شيء يتم به جمع جزيرة العرب لتصبح يدا واحدة تحت سلطان واحد، فقد قام به أبو بكر خليفة رسول الله وقد بايعه الناس بعد النبي؛ ففي سنة واحدة أرسل «أسامة» في بعث إلى الشام، وكان موفقا منصورا، وأرسل خالدا ذلك القائد الشهم المغوار، فقضى على مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة في بلاد اليمن. وكان النبي قد أوصى وهو على فراش الموت ألا يبقى في بلاد العرب إلا دين الإسلام. والظاهر أن ذلك تم بلا تريث ولا مهل؛ فقد أخرج المسيحيون من الجزيرة ولم يبق منهم فيها أثر، وكذلك قضي على ما كان عندهم من العلوم والفنون والآداب.
Shafi da ba'a sani ba