Fath Carab Li Misr
فتح العرب لمصر
Nau'ikan
ولسنا ندري أي البطريقين كان صاحب الرأي في مقتلة اليهود التي لطخت ذكر هرقل، ولا شك في أن كليهما قد رضي عنها وأقرها، ولكن الإمبراطور عندما أزمع السير إلى عاصمته استصحب «مودستوس» ليساعده على إقرار أمور الكنيسة، وإعادتها إلى سابق عهدها بعد أن رجعت بلاد الشام إلى دولة الروم، وليعمل على رد الكنائس التي كان كسرى قد جعلها للنسطوريين
8
والمونوفيسيين، وإرجاعها إلى أصحاب مذهب الدولة (الأرثوذكس). وكان مما قصد إليه الإمبراطور من صحبة البطريق أن يساعد كذلك في التماس الوسيلة لجمع مذاهب الدولة المنتضلة وتوحيدها. وكان هذا من أعز ما يتمناه الإمبراطور، وقد بدا له الأمر ممكنا إذ كان عند ذلك بطل المسيحية وناصرها.
ولكن «مودستوس» توفي في شتاء سنة 630-631، ولم يل إلا تسعة أشهر؛
9
فلم يجد هرقل بعده بين المطارنة من يوافق رأيه في أمر الكنيسة كل الموافقة؛ ولهذا ترك مكان البطريق شاغرا. ولم يكن أحد ليستطيع أن يزيله عن رأيه، وهو التوفيق بين اليعاقبة والملكانيين، وهما حزبا الكنيسة؛ أولهما حزب الخوارج، والثاني حزب الجماعة. وكان سرجيوس القسطنطيني يرى الملك في التوفيق، فاعتز ذلك الرأي به وهو الرجل الذي عرف بالقوة والإقدام. وكان سوري المولد، وهو صاحب صورة التوفيق التي أقرها هرقل. وكانت تلك الصورة تقضي بأن يمتنع الناس عن الخوض في الكلام عن كنه طبيعة «السيد المسيح»، وعما إذا كانت له صفة واحدة أم صفتان، ولكن عليهم أن يشهدوا أن له إرادة واحدة أو قضاء واحدا. وكان الإمبراطور منذ سنة 623 عندما كان في أرمينيا قد اتفق مع «بولص» زعيم الدين، وكان أثر ذلك الاتفاق أن توحدت الكنيستان؛ كنيسة الدولة وكنيسة أرمينيا. وبعد أربع سنوات من ذلك زار «اللازيين»، ودعا «قيرس» مطران «فاسيس» إلى مذهبه الجديد، فوجد منه قبولا. وفي ذلك الوقت عرض رياسة الدين في أنطاكية على «أثناسيوس»، على شرط أن يقر ما أقره مجمع «خلقيدونية»، وأن يأخذ بتأويل الموحدين (المونوثيليتيين). والظاهر أن الرؤساء الثلاثة اجتمعوا بالإمبراطور في «هيرابولس»، وكانت نتيجة مناظرتهم في ذلك الاجتماع أن أقروا شرط التوفيق إقرارا كاملا. وكان المتوقع عند ذلك أن يسود السلام الكنيسة، وترتق فتوقها المتسعة.
ولعل هذا الوفاق كان في صدر عام 631،
10
وأعقبته ولاية «قيرس» بطرقة الدين في الإسكندرية. وقد أمره الإمبراطور أن يجمع المذهبين القبطي والملكاني في المذهب الموفق الذي ابتدعته حكمة المجلس الإمبراطوري. وكانت خطة الإمبراطور إلى ذلك الوقت موفقة توفيقا أعظم مما توقعه أحد، وجاءت إليه الأنباء من مصر في أول الأمر مبشرة بالنجاح؛ فقد وصف «قيرس» نجاحه وصفا بليغا، حتى لكان يخيل إلى الناس أن هرقل قد بدأ باسترجاع دولته وجمع شملها، بعد أن نزعها الفرس من يده ومزقوها كل ممزق، ثم ثنى بعد ذلك بالحلم الذي كان يتمنى تحقيقه في حياته، وكاد يتم له الأمر كما يشتهي. فانتصر في القتال نصرا عظيما، فغلب الكفار، وحمى منهم المسيحية. وإنه ليكون نصرا أعظم لو استطاع أن يحل السلام والوئام على الكنيسة، وأن يزيل ما فيها من مواضع الخلاف،
11
Shafi da ba'a sani ba