832

Fatawa

فتاوى السبكي

Mai Buga Littafi

دار المعارف

يَسْتَدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى خُرُوجِهَا مُطْلَقًا فَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ فِيهِ خِلَافًا وَلَا نَعْرِفُ فِيهِ خِلَافًا.
وَأَمَّا التَّمَسُّكُ بِعَدَمِ الِاسْتِفْصَالِ فَإِنَّمَا يَكُونُ إذَا اسْتَوَتْ الِاحْتِمَالَاتُ أَوْ تَقَارَبَتْ وَهَا هُنَا الْقَرِينَةُ الظَّاهِرَةُ تَقْتَضِي حَاجَتَهَا إلَى الْخُرُوجِ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ ضَرُورَةً فَلِذَلِكَ أَثْبَتْنَاهُ عَلَى الْقَوْلِ الْجَدِيدِ بِالْحَاجَةِ دُونَ الضَّرُورَةِ.
وَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى أَنْ نَقُولَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ يَكُونُ عَلِمَ حَاجَتَهَا وَإِذَا وَرَدَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَدْ يُقْبَلُ، وَكُلُّ حَدِيثٍ لَهُ بَحْثٌ يَخُصُّهُ فَلَا يَتَقَرَّرُ فِي ذَلِكَ قَاعِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَإِذَا رَفَعْنَا إلَى قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ فَمَتَى تَسَاوَتْ الِاحْتِمَالَاتُ أَوْ تَقَارَبَتْ تَمَسَّكْنَا بِتَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِمَ مِنْ صُورَةِ الْحَالِ مَا يَقْتَضِي الْجَوَابَ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ؛ لِأَنَّ التَّمَسُّكَ بِلَفْظِهِ ﷺ وَلَفْظُهُ مَعَ تَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ، وَالْعُمُومُ يُتَمَسَّكُ بِهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ وَإِنْكَارِ إرَادَتِهِ فَكَمَا لَا نَقُولُ بِالتَّخْصِيصِ هُنَا لِاحْتِمَالِ الْعِلْمِ بِمَا يَقْتَضِيهِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَأْتِي فِي وَقَائِعِ الْأَحْوَالِ الَّتِي يَحْصُلُ فِيهَا الْإِجْمَالُ وَيَسْقُطُ بِهَا الِاسْتِدْلَال وَهِيَ غَيْرُ تَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ وَهُمَا قَاعِدَتَانِ: تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ مَعَ لَفْظٍ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْعَامِّ فَالتَّمَسُّكُ بِوَقَائِعِ الْأَحْوَالِ لَا لَفْظَ فِيهَا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا حُجَّةَ فِيهَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَذَا الْكَلَامُ هُنَا رُبَّمَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ، وَكَذَلِكَ السُّؤَالُ غَيْرُ مُفْصِحٍ فَنَقُولُ: إنْ كَانَ الْمَقْصُودُ الِاسْتِدْلَال عَلَى خُرُوجِهَا لِجِدَادِ النَّخْلِ نَهَارًا سَوَاءٌ كَانَ لَهَا مَنْ يَكْفِيهَا ذَلِكَ إلَّا أَنَّهَا تَقْصِدُ جِدَادَ نَخْلِهَا بِنَفْسِهَا أَوْ بِحُضُورِهَا - فَالِاسْتِدْلَالُ صَحِيحٌ وَالتَّمَسُّكُ لَهُ بِعَدَمِ الِاسْتِفْصَالِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّا نَجْعَلُ الْوَاقِعَةَ الْمَسْئُولَ عَنْهَا مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ كَالسُّؤَالِ وَالْجَوَابِ، مِثَالُهُ مَا نَحْنُ فِيهِ «امْرَأَةٌ مَبْتُوتَةٌ مُعْتَدَّةٌ أَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ لِجِدَادِ نَخْلِهَا نَهَارًا فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ جُدِّي نَخْلَكِ» وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ فَيَصِيرُ كَقَوْلِهِ " كُلُّ امْرَأَةٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَهَا أَنْ تَجِدَّ نَخْلَهَا " فَيَعُمُّ كُلَّ مَنْ كَانَ لَهَا مَنْ يَكْفِيهَا ذَلِكَ وَغَيْرَهَا وَأَحْوَالَ كُلٍّ مِنْهُمَا وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلُنَا: إنَّهَا لَا تَخْرُجُ إلَّا لِحَاجَةٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حَاجَةٌ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ عَلَى أَنَّهَا

2 / 318