لم يبق لخالد إلا أن يرجع إلى المدينة معزولا يلقى أمير المؤمنين، فخرج يريد قنسرين وثورة نفسه على أشدها، والغيظ يكاد يفري مهجته، أذلك جزاؤه عن كل ما قدم! وهل أخفى عمر في نفسه ترته القديمة عليه طيلة هذه السنين ليستخدمه ما كان بحاجة إلى قوة ساعده وعبقرية قيادته، فلما رأى القدرة على الاستغناء عنه تلمس له هنة فلم يجد، فتخذ من قصة الأشعث وجائزته حجة يقيم عليها هذه المسرحية ليعزله عن عمله بعد أن يهدر كرامته ويمرغ في التراب أمام الناس عزته؟! يا له من حاقد لا ينسى حقده! ولعل هذا الحقد كان يزداد ضراما كلما رفع الحظ نجم خالد فيجعله أكثر علوا وسموا، ولو أنه عزله عن كل عمله يوم استخلف لكان له من العذر أنه أشار على أبي بكر بأمر فلم ينفذه، فلما تولى هو مكانه نفذه، فأما أن يدعه أربع سنوات يخوض المعارك ويدوخ الأقران ويقهر الجيوش، فيخضع دمشق ويطهر الأردن، ويستولي على حمص، ويأخذ قنسرين عنوة، ويرد حلب إلى الطاعة، ويطرد هرقل من سورية، ويتخطى قلقية إلى إرمينية، ويصل بين الفتحين في العراق والشام، ثم يعزله بعد ذلك كله بتهمة الخيانة أو السرف، فذلك العذر الذي لا طاقة لخالد باحتماله، والذي لا عذر عنه من شدة عمر بسائر عماله، فلم يأثم خالد ولم يرتكب نكرا، وأين ثراؤه على عظيم بلائه! وأين ما صنعوا مما صنع! إنهم أولو فضل لا ريب، وانتصار ابن أبي وقاص بالقادسية وفتحه المدائن، وطرده يزدجرد إلى الري، من أعظم أعمال البطولة، وفتح ابن العاص بيت المقدس نصر أكبر النصر، لكن خالدا صاحب الفضل الأول في فتح العراق وفتح الشام، وفتحهما هو الذي دوخ كسرى ودوخ قيصر، وهو الذي فتح الباب واسعا لمسيرة المسلمين بعده إلى ما شاءوا من الآفاق، أولو كانت جائزة الأشعث سيئة فأين قوله تعالى:
إن الحسنات يذهبن السيئات ؟! فليكن جزاء خالد عند الله! والله من بعد حسيب عمر ورقيبه!
كانت هذه الخواطر تدور بنفس خالد وهو في طريقه بين حمص وقنسرين، فكان يفضي بها إلى بعض خلصائه فيهونون عليه الأمر ويذكرونه بقوله تعالى:
وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت ، وبقوله:
لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض
ويجيبهم خالد ومس الإهانة يحز في نفسه: «إن عمر ولاني الشام حتى إذا صارت بثنية
4
وعسلا عزلني.» فلما بلغ قنسرين كظم غيظه، وتحمل وخطب أهل عمله، وذكر مجيد فعالهم معه، ولم يذكر لهم عمر بسوء، ثم ودعهم وعاد بأهله ومتاعه إلى حمص، فخطب أهلها وودعهم، وفصل عنهم منصرفا إلى المدينة.
فلما بلغها ولقي أصحابه بها ألفى أمر عمر فيه وما أصابه من مهانة حين تنفيذه قد سبقه إليهم، ورأى منهم متعصبين له ناقمين من عمر، فتحدث إليهم بأعماله، وذكر لهم إخلاصه لله وللدين الذي أوحاه الله إلى رسوله، وقص عليهم ما استفاء المسلمون على يديه، والقليل الذي اختص هو به من هذا الفيء، فزادهم ذلك له تعصبا، ومن عمر نقمة، ثم إنه لقي عمر فقال له: «لقد شكوتك إلى المسلمين، وبالله إنك في أمري غير مجمل يا عمر!» ولم يجد الخليفة موضعا للين يمكن أن يساء به تفسير أمره، فقال لخالد ولا يزال يتهمه: «فأين هذا الثراء! من أين هذا اليسار الذي تجيز منه بعشرة آلاف؟» وجعل يكرر عليه السؤال كلما رآه، فلما ضاق به خالد قال له: «من الأنفال والسهمان، ما زاد على الستين ألفا فهو لك.»
5
Shafi da ba'a sani ba