من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ؛ فقام قس من النصارى كان حاضرا فقال: إن الله لا يضل أحدا، فلما كررها قال عمر لمن حوله: «انظروا إن عاد إلى قوله فاضربوا عنقه.» فأمسك القس لهذا النذير، وليس يرجع بقاء المنصفين على إجماعهم إلى أن هذه الرواية لا تعتمد على سند ثابت بمقدار ما يرجع إلى أنها إن صحت لم تطعن على تسامح عمر وعدله، فلم يكن عمر ساعتئذ في موقف جدل مذهبي مع هذا القس، وإنما كان في موقف الخطيب يذكر المسلمين بما يؤمنون به ولا يمارون فيه، فتدخل هذا القس بالمقاطعة وتكريره لها إخلال بالنظام يدعو إلى الظن بأن مقترفه أراد أن يفسد على أمير المؤمنين موقفه؛ لذلك لم يزد عمر على النذير، فلما أمسك القس ولم يمض في المقاطعة مضى هو في خطابه حتى أتمه، ثم صلى بالمسلمين ولم ينل القس بسوء.
ولو صح ما روي عن هذا القس لاتخذناه حجة جديدة على ما كان لتعدد المذاهب والفرق المسيحية في ذلك العهد من أثر في الحياة العامة؛ فلم يغضب أحد من المسيحيين لنذير عمر ولم يجد فيه مظهر تعصب أو اضطهاد؛ ذلك لأن تعدد المذاهب أدى بأصحابها إلى التقاطع، وجعلهم يرون في مقاطعة القس مخالفة لآداب اللياقة لا يوجبها التعصب لعقيدة مقررة، أما والمسلمون يتسامحون مع أصحاب المذاهب جميعا فيسوون بينهم ولا يجادلونهم في مقرراتهم، فقد استحق القس نذير عمر، ولم يكن لأحد أن يعترضه أو يثور بسببه.
على أن تسامح عمر لم يكن معناه أن يدع بيت المقدس للمسيحيين، وألا يكون للمسلمين حظهم الديني منه؛ فبيت المقدس قبلة المسلمين الأولى، وإلى مسجده الأقصى أسرى الله بعبده؛ فقدسيته عند عمر لم تكن دون قدسيته عند النصارى، هذا إلى أن المسلمين لم يكونوا ينزلون بلدا حتى يقيموا لهم مسجدا به، وقد ذكرنا أن عمر اعتذر لصفرنيوس عن الصلاة بكنيسة القيامة، وأنه صلى بمكان قريب من صخرة يعقوب على أطلال الهيكل، وفي هذا المكان أقيم مسجده ساذج البناء كمسجد النبي بالمدينة يوم أقيم، ذكر ابن كثير أن عمر استشار كعب الأحبار في أي مكان يصلي، وكان كعب الأحبار يهوديا فأسلم، فقال له: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة وكانت القدس كلها بين يديك، فقال عمر: ضاهيت اليهودية، لا! ولكن أصلي حيث صلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية الطبري أن عمر سأل كعبا: أين ترى أن نجعل المصلى؟ قال كعب: إلى الصخرة، وأجابه عمر: ضاهيت والله اليهودية يا كعب! وقد رأيتك وخلعك نعليك! بل نجعل قبلته صدره كما جعل رسول الله قبلة مساجدنا صدورها إنا لم نؤمر بالصخرة، ولكن أمرنا بالكعبة، وجعل قبلة المسجد صدره متجها إلى الكعبة غير متجه إلى الصخرة.
وإنما صرف عمر القبلة إلى الكعبة ولم يجعل الصخرة دونها؛ لأن الكعبة قبلة المسلمين في كتاب الله، ثم لم يصرفه ذلك عن إعظام الصخرة، فهي موضع الإسراء في حديث رسول الله، ولقد بلغ من إعظامه لها أنه رأى عليها كناسة كان الروم يلقونها فوقها، فقال لأصحابه: اصنعوا كما أصنع، ثم جثا في أصلها وجعل يحمل ما عليها بنفسه فيلقيه بعيدا عنها، وصنع أصحابه صنيعة، وما زالوا بالصخرة حتى زال كل ما عليها، وقد بقيت الصخرة محاطة برعاية المسلمين من يومئذ إلى أن أقام عبد الملك بن مروان عليها قبة بالغ في العناية بعمارتها ، فشادها على نحو جعلها أروع آية في البناء، حتى لقد بذ بها عمارة المسجد الأقصى والمسجد الحرام، بل بذ بها كل ما بناه من المساجد، وكان عبد الملك قد شغف بالعمارة البزنطية لمقامه بدمشق بين كنائس النصارى وآثارهم؛ ولذلك كانت المساجد التي شادها تأخذ بالقلوب والأبصار.
تم لعمر ما أراد من زيارة بيت المقدس فعاد أدراجه إلى المدينة متخذا إليها الطريق الذي جاء منه، فلما كان بالجابية أقام أياما ثم غادرها على فرسه، وكانت أنباء ما صنع بفلسطين قد بلغت عليا والمسلمين، فاستقبلوه بظاهر المدينة استقبالا حافلا، وكيف لا يفعلون وقد خلصت لهم الشام كما خلصت لهم العراق! وكيف لا يفعلون وعمر أول من قام بمثل هذه الرحلة من يوم بعث الله رسوله يبلغ الناس في ربوع الأرض دينه!
ترى، أيطمئن عمر لما فتح الله عليه فينظم حكمه ويعزز وحدته؟ كان ذلك رجاءه؛ ولذلك ود لو أن بينه وبين الفرس جبلا من نار فلا يخلصون إليه ولا يخلص إليهم، وود لو أن بينه وبين الروم سدا يصرفهم عنه ويصرفه عنهم، لكن مشيئة القدر كانت أقوى من مشيئته، وقد كتب القدر في لوحة أن يقضي خالد وأبو عبيدة على كل انتقاض بالشام، وأن يفتح عمر بعد ذلك من الممالك ما شاء الله أن يفتحه، فلندع أمير المؤمنين بالمدينة يدبر أمره ويحكم تدبيره، ولنعد إلى الشام لنرى ما الله صانع به!
هوامش
الفصل الثالث عشر
مصير خالد بعد إخضاع الشام
Shafi da ba'a sani ba