Falsafar Ingilishi A Cikin Shekaru Dari (Sashi Na Farko)
الفلسفة الإنجليزية في مائة عام (الجزء الأول)
Nau'ikan
ولقد ذكرنا من قبل أن اللاأدرية عند سبنسر - وهي ليست لا أدرية مطلقة بل لسببية؛ إذ إنه «يؤكد» وجود عالم من وراء التجربة - لم تظهر نتيجة لمقتضيات مذهبه، وإنما نتيجة لنظرة جانبية إلى الدين، وقد أتاحت له أن يحدد العلاقة بين الدين من جهة وبين العلم أو الفلسفة (وهما في أساسهما شيء واحد عند سبنسر) من جهة أخرى، وكان من رأيه أن فكرة عدم قابلية المطلق لأن يعرف لها قيمة إيجابية، هي أنها تبين الطريقة التي يمكن بها وضع حد للخلاف القديم العهد بين قوى العلم أو الفلسفة والدين. فذلك الذي يعترف به العلم أو الفلسفة، ويحترمه، بوصفه لا معروفا، هو نفسه الذي يتجه نحوه الوعي الديني، فهو في الحالتين موضوع واحد ينظر إليه من وجهات نظر مختلفة، فمجال الفلسفة هو مجال ما يمكن أن يعرف، ومجال الدين هو اللامعروف، ولا محل للخلاف بينهما طالما أن كلا منهما يلتزم حدوده الخاصة.
وليس هنا مجال الدخول في تفصيلات مذهب سبنسر، والانتقال من طابق إلى طابق، ومن حجرة إلى حجرة، خلال هذا البناء الهائل، وحسبنا أن نشير إليه بضع إشارات موجزة، وقد أرسى سبنسر أسس هذا المذهب في كتابه «المبادئ الأولى»، فوضع خطا فاصلا بين ما يمكن أن يعرف وما لا يمكن أن يعرف، وعرف الوظيفة العامة للفلسفة، وصاغ المبدأ العام للتطور وهو لا يمضي أبعد من ذلك في مناقشة المسائل المنطقية والمنهجية والمعرفية، وإنما ينتقل مباشرة إلى اختبار المبدأ الأساسي في المجالات الواسعة للتجربة؛ ذلك لأنه لم يكن يعبأ كثيرا بمشكلات الفكر الخالص. حقا لقد كانت لديه موهبة فذة على التفكير المجرد، غير أنه لم يكن يمارسها إلا عندما يكون لديه حشد ضخم من المواد التجريبية التي يريد بحثها، وهو لم يفكر قط في كتابة بحث خاص في المنطق؛ إذ إن دراسة هذا الفرع من وجهة النظر التطورية كانت كفيلة بأن توصف منذ البداية بأنها عقيمة لا جدوى منها، غير أنه حدد موقفه من الحرب التي كانت ناشبة في أيامه بين هاملتن ومل حول تغليب الأولية
apriorism
أو التجريبية، وحول مسألة ما إذا كانت كل معرفة لنا ترتكز على التجربة الفردية، أم أن هناك أية مبادئ أساسية تتكشف بالضرورة العقلية أو بالوضوح الذاتي على أنها مستقلة عن كل تجربة فردية. فسبنسر يمضي مع أنصار الأولية إلى حد التسليم بوجود مثل هذه المبادئ التي هي ضرورية بمعنى أنه من المحال تصور ما يناقضها، وأنه من الواجب بالتالي أن ينظر إليها على سمات فطرية للذهن الفردي، غير أنه يستحيل عليها أن تكون مستقلة عن كل تجربة بوجه عام، فالذهن الفردي يرث منذ البداية تلك التجربة (أو الخبرة) المتراكمة من الخط الطويل من أسلافه، ويحاول سبنسر أن يثبت على أسس منتمية إلى مجال علم الأعصاب
Neurological
أن هذه التجربة العنصرية تكون المعرفة الأصلية لذلك الذهن. فما يسمى بالحقائق الأولية قد تطور خلال تجربة الجنس البشري، ولم يعد بذلك «أوليا» إلا بالنسبة إلى الفرد. ومن الواضح أن سبنسر يزيف في هذا العدد المعنى الصحيح للأولية؛ فهو لم يوفق بين العقلية والتجريبية، وإنما اكتفى بتصحيح الصورة المتطرفة التجريبية كما تتمثل لدى مل على الأرجح. غير أن الميل إلى التوفيق ظل مميزا له، ولقد لاحظنا هذا الميل من قبل في محاولته التوفيق بين الدين والعلم، كما أنه يتمثل في سياقات أخرى غير هذه، ومع ذلك فهذا الميل لا يسفر في معظم الأحوال عن حلول حاسمة، وإنما يسفر عن حلول وسطى. وكان سلوكه هذا السبيل هو الذي أدى إلى تلك التجريدات الغامضة الهزيلة، وتلك التعميمات الجافة الجامدة، وتلك الإطارات العقيمة، التي نصادفها في كل خطوة من كتاباته، والتي تشعرنا مرارا وتكرارا بأن فلسفة سبنسر ليست من عمل إنسان حي وإنما من عمل آلة مفكرة.
ولما كان اهتمامه الأساسي قد انصب على الميادين العملية للمعرفة، فقد اختار مجالات علم الحياة وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم الأخلاق لكي ينظمها في مذهب واحد بواسطة مبدأ التطور، وحذف العالم غير العضوي (وإن تكن خطته العامة بطبيعة الحال تتضمن إدراجه ضمن موضوعات بحثه)، ولم يتعرض لمشاكله إلا لماما، كما فعل مثلا في رسالة كتبها عام 1858 عن الفرض السديمي. وهكذا فإن مذهبه، على ضخامته، يظل بدون مبادئ الفيزياء والكيمياء أشبه بجسد بلا رأس، وقد وضعت أسسه على نطاق أوسع من أن يقدر على الاضطلاع به رجل واحد.
ولقد كرس سبنسر أعظم اهتمامه وأقصى جهوده لعلم الاجتماع، ويشمل المؤلف الذي عالجه فيه ثلاثة مجلدات كبيرة، ومع ذلك فهو عمل لم يتم، إذا حكمنا عليه في ضوء البرنامج الذي وضعه لنفسه، وكان هدفه هو إثبات أن النمو الاجتماعي ليس إلا مرحلة للعملية التطورية الكونية، وهي مرحلة تشبه المرحلة العضوية إلى أقصى حد، فالمجتمع، مثله مثل الفرد، هو ناتج عن نمو عضوي، وإن يكن سبنسر يسمى هذا النمو «فوق العضوي» لأنه من مرتبة أعلى. ويتوقف تقدم الحياة الاجتماعية، مثلما يتوقف تقدم الحياة العضوية، على تزايد قدرة المجتمع على التكيف مع الظروف الطبيعية والبيئة الاجتماعية، ويتم هذا التكيف إيجابيا عن طريق التقاليد والوراثة، وسلبيا عن طريق زوال المجتمعات التي لم تتكيف كما ينبغي، وهنا يؤكد سبنسر أهمية مبدأ الانتقاء الدارويني، كما فعل في المواضع الأخرى من مذهبه. وبهذه المناسبة، فقد كان سبنسر هو الذي قابل الشعار المعروف: «الصراع من أجل البقاء»، بشعار آخر لا يقل عنه شهرة، وهو «البقاء للأصلح». وهكذا أعاد سبنسر قانون دارون المتعلق بالحياة الحيوانية إلى مجال الحياة البشرية، وهو المجال الذي كان قد أوحى لمالتوس بهذا القانون في البداية، وقد تأيد في هذا المجال عامل التوزع أو التفاضل
differentiation ، فقد رأى فيه المعيار الصحيح لقياس درجة النمو أو التحضر التي يبلغها أي كائن اجتماعي معين، فكلما كان التنوع أقوى في مجتمع ما، كان ذلك المجتمع أرقى في سلم التطور، أي كان أقوى مركزا من المجتمعات المنافسة له في الصراع من أجل البقاء. ويسير التخطيط الذي رسمه سبنسر لمجرى التطور التاريخي في نفس الطريق، فهو يضع، مثل كونت، قانونا ذا مراحل ثلاث؛ حالة بدائية تختلط فيها عدة أنماط اجتماعية دون تمييز، ثم نمط عسكري من المجتمع يرتكز على القوة، وأخيرا يظهر ببطء من هذا المجتمع، عن طريق عدة مراحل وسطى (أو «تفرعات
Varieties » بالمعنى البيولوجي)، النمط الأكثر تحررا من المجتمع، وهو الذي يتمثل في الدولة الصناعية والتجارية الحديثة. وهكذا فإن عصر سبنسر الخاص - عصر مذهب المسلك الحر (الحريين) والصناعة، والتكنولوجيا، والعلم والتجارة العالمية، والتنافس السلمي بين الدول - كان بالنسبة إليه قمة تقدم البشرية، وقد كان يدافع في كل مجال عن ترك القوى تتبارى بحرية، وعن مبدأ «دعه يعمل
Shafi da ba'a sani ba