13 .
ومثل ذلك العصبية للبلد، فلا تكاد تجد بلدا كبيرا إلا وفيه حديث بل أحاديث في فضله، فمكة والمدينة وجبل أحد والحجاز واليمن والشام وبيت المقدس ومصر وفارس وغيرها كل وردت فيه الأحاديث المتعددة في فضله، وعلى الإجمال فالعصبية الحزبية والقبلية، والعصبية للمكان سببا من أهم أسباب الوضع . (2)
الخلافات الكلامية والفقهية: فمثلا اختلف علماء الكلام في القدر أو الجبر والاختيار، فأجاز قوم لأنفسهم أن يؤيدوا مذهبهم بأحاديث يضعونا ينصون فيها حتى على التفاصيل الدقيقة التي ليس من مسلك الرسول التعرض لها، وحتى ينصون فيها على اسم الفرقة المناهضة لهم، بل واسم رئيسها ولعنه ولعنهم، وكذلك في الفقه، فلا تكاد تجد فرعا فقهيا مختلفا فيه إلا وحديث يؤيد هذا وحديث يؤيد ذاك، حتى مذهب أبي حنيفة الذي يذكر العلماء أنه لم يصح عنده إلا أحاديث قليلة، قال ابن خلدون: «إنها سبعة عشر» ملئت كتبه بالأحاديث التي لا تعد، وأحيانا بنصوص هي أشبه ما يكون بمتون الفقه، ويطول بنا القول لو ذكرنا أمثلة على هذا النحو من الوضع، فنكتفي هنا بالإشارة إليها. (3)
متابعة بعض من يتسمون بسمة العلم لهوى الأمراء والخلفاء، يضعون لهم ما يعجبهم رغبة فيما في أيديهم، كالذي حكي عن غياث بن إبراهيم أنه دخل على المهدي بن المنصور، وكان يعجبه اللعب بالحمام فروى حديثا: لا سبق إلا في خف أو حافر أو جناح. فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلما قام ليخرج قال المهدي: أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله، ما قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم «جناح»، ولكنه أراد أن يتقرب إلينا
14 . (4)
تساهل بعضهم في باب الفضائل والترغيب والترهيب ونحو ذلك مما لا يترتب عليه تحليل حرام أو تحريم حلال، واستباحتهم الوضع فيها، فملئوا كتب الحديث بفضائل الأشخاص، حتى من لم يرهم النبي
صلى الله عليه وسلم
كوهب بن منبه، وبفضائل آيات القرآن وسوره، كالذي روي عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم أنه وضع أحاديث في فضائل القرآن سورة سورة بعنوان أن من قرأ سورة كذا فله كذا، وروى ذلك عن عكرمة عن ابن عباس، وتارة يروي عن أبي بن كعب - وهي الأحاديث التي نقلت في تفسير البيضاوي عند ختم كل سورة - فلما سئل: من أين هذه الأحاديث؟ قال: لما رأيت اشتغال الناس بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمد بن إسحاق، وأعرضوا عن حفظ القرآن وضعت هذه الأحاديث حسبة لله تعالى
15 .
Shafi da ba'a sani ba