وقد امتزج الفن بالحياة، وامتزجت الحياة بالطبيعة، وكأن الشعر روح تتنفس عنه هذه الطبيعة، فوجب النزول إلى معالجتها، واستفتاح مغالقها، واستيعاب حكمها، واستيضاح زخارفها، وفي هذا ما فيه من الجهد والصبر، ولا كمال في الشعر كما أنه لا كمال في الفن، وإلا ما كان هذا فنا وذلك شعرا. •••
إن من يمعن في الشعر الحديث نظرة استقصاء، لا بد له من التنبه إلى أمر جلل، وهو أن النشء الحاضر عامل على مجاراة المدنية السكسونية في الترامي وراء العويص الشاذ من خيالها ومعانيها، بينما كان النشء السابق يستوحي المدنية اللاتينية، ويتقرب إلى طرائق رجالها والشعراء منها، ولا شك أن الشرقيين بطبائعهم وغرائزهم ونزعة نفوسهم إلى شرود الخيال، الذي تزنه الحكمة بمعيار الحياة، حتى تدني أقصى ما قصي منه، لا شك أنهم بذلك أقرب إلى محاكاة المدنية اللاتينية بما يحولونه منها إلى لحمهم ودمهم؛ لتستقل بذلك نفسيتهم وتبرز شخصيتهم، ولا يجهل المعنيون بهذه الإشارة أن المدنية السكسونية بنت المدنية اللاتينية، وأن مذهبها في الخيال (
romantisme ) قد نشأ في فرنسا، ثم عبر نهر الرين إلى ألمانيا ومنها ركب البحر إلى إنكلترا؛ لأن مبتدعيه برناردان دي سان بيير، وجان جاك روسو، وشاتو بريان، وما في هؤلاء من نظم قافيتين، وقد استوهبهم إياه غوته العظيم، وعنه أخذ بيرون وشلي وغيرهما، ولكن الآخذين تفردوا به لقوة طبيعة التحويل في نفوسهم حتى كأنهم مبتدعوه، ومن مدهشات التطور أن هذا المذهب بقي متابعا سيره حتى عاد إلى مهده فرنسا مصطبغا بصبغة جديدة، فتناوله لامارتين، وموسه، وهوجو، ومن نحا نحوهم.
نعم ، لا وطن للفن، ولكن لكل أمة ميزة عما سواها؛ لذلك نرى أن استقاء ذلك المذهب من منبعه أوفى بالحاجة منه، وأتم انطباقا على طبائعنا وحياتنا الشرقية، بما يلائمها ويتفق معها، حتى يجيء الرقي حثيثا، ويصقل الوضوح شعرا، إنما عيبه اضطراب معانيه وبعده عن المألوف في عيشتنا، وإنما ينظم الشاعر لأهل لغته من الأجيال الحاضرة والمقبلة. •••
وبعد، فهذا شعر نظمته لأروض به نفسي في خلواتها، وأرضيها بما يجدد بهجتها في أفراحها، أو يسليها همومها في أتراحها، فإن أحسنت فلي أو أسأت فعلي، وفي هذا الشعر ما فيه من تردد الضعف وذهول الحيرة وتنفس الصعداء، غير أن الإخلاص شفيع له، وكفى بالشاعر بؤسا أن يرمي بقلبه إلى الناس، وأن يطرح بين يدي الجمهور خاصة دخلته، يفسدها عليه ذوو النيات المبهمة والغايات المتهمة، حتى ليضلونه عن صواب حسه، ويزهدونه في يومه وأمسه، فلغير هؤلاء ينظم الشعر، والله ولي الأمر.
خليل شيبوب
أغسطس سنة 1921
النور والحياة
أحب الضحى وأحب المساء
وأهوى الظلام وأهوى الضياء
Shafi da ba'a sani ba