Falalar Ilimin Magabata A Kan Na Baya

فضل علم السلف على الخلف

Editsa

أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني

Mai Buga Littafi

الفاروق الحديثة للطباعة والنشر

Bugun

الأولى

Shekarar Bugawa

١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م

Yankuna
Suriya
Iraq
Daurowa & Zamanai
Mamlukawa
Ilkhanids
فضل علم السلف على علم الخلف

3 / 5

بسم الله الرحمن الرحيم
رب أعن يا كريم
الحمد لله رب العالمين، وصلى لله عَلَى محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد؛ فهذه كلمات مختصرة في معنى العِلْم، وانقسامه إِلَى علم نافع وعلم غير نافع، والتنبيه عَلَى فضل علم السَّلف عَلَى علم الخلف.
فنقول وبالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله:
قد ذكر الله -تعالى- في كتابه العِلْم تارة في مقام المدح، وهو العِلْم النافع، وذكر العِلْم تارة في مقام الذم، وهو العِلْم الَّذِي لا ينفع.
فأما الأول فمثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وما قص الله سبحانه من قصة آدم وتعليمه الأسماء وعرضهم عَلَى الملائكة وقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]، وما قص الله سبحانه من قصة موسى ﵇ وقوله للخضر: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] فهذا هو العِلْم النافع.
وقد أخبر عن قوم أنهم أوتوا علمًا ولم ينفعهم علمهم، فهذا علم نافع في نفسه لكن صاحبه لم ينتفع به، قال تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦]، وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ

3 / 7

عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ...﴾ الآية [الأعراف: ١٦٩] وقال: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣].
وعلى تأويل من تأول الآية عَلَى علم عند من أضله الله.
وأما العِلْم الَّذِي ذكره الله -تعالى- عَلَى جهة الذم له، فقوله في السحر: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر: ٨٣] وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧].
ولذلك جاءت السنة بتقسيم العِلْم إِلَى نافع وغير نافع، والاستعاذة من العِلْم الَّذِي لا ينفع، وسؤال العِلْم النافع.
ففي "صحيح مسلم" (١) عن زيد بن أرقم أن النبي ﷺ كان يقول: "اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا".
وخرّجه أهل السنن من وجوه متعددة (٢) عن النبي ﷺ وفي بعضها: "وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ".
وفي بعضها (٣): «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ».

(١) برقم (٢٧٢٣).
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٢٥٥)، وأبو يعلى (٢٨٤٥) عن أنس.
وأخرجه أحمد (٢/ ١٦٧) والنسائي (٨/ ٢٥٥) عن عبد الله بن عمرو.
وأخرجه أحمد (٢/ ٣٤٠، ٣٦٥) وأبو داود (١٥٤٨)، والنسائي (٨/ ٢٦٣، ٢٨٤)، وابن ماجه (٣٨٣٧) عن أبي هريرة.
(٣) أخرجه أحمد (٢/ ١٦٧)، والترمذي (٣٤٨٢) عن عبد الله بن عمرو، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث عبد الله بن عمرو.
وأخرجه أحمد (٤/ ٣٨١) في عبد الله بن أبي أوفي.
وأخرجه أحمد (٣/ ٢٨٣)، والنسائي (٨/ ٢٦٣) عن أنس.
وأخرجه أحمد (٢/ ٣٤٠، ٣٦٥)، وأبو داود (١٥٤٨)، والنسائي (٨/ ٢٦٣)، وابن ماجه (٣٨٣٧) عن أبي هريرة.

3 / 8

وخرج النسائي (١) من حديث جابر أن النبي ﷺ كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ ِلْمًا نَافِعًا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا (يَنْفَعُ) (*)».
وخرّجه ابن ماجه (٢) ولفظه أن النبي ﷺ قال: «سَلُوا اللَّهَ عِلْمًا نَافِعًا، وَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ».
وخرّجه الترمذي (٣) من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يقول: «اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَزِدْنِي عِلْمًا».
وخرج النسائي (٤) من حديث أنس "أن النبي ﷺ كان يدعو: «اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَارْزُقْنِي عِلْمًا تَنْفَعُنِي بِهِ".
وخرج أبو نعيم (٥) من حديث أنس أن النبي ﷺ كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّا نَسْأَلُكَ إِيمَانًا دَائِمًا، فرب إيمان غير دائم، وَأَسْأَلُكَ وَعِلْمًا نَافِعًا، فرب علم غير نافع».
وخرج أبو داود (٦) من حديث بريدة عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا".
وإن صعصعة بن صوحان فسر قوله: "إِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا"، أن يتكلف العالم إِلَى علمه ما لم يعلم فيجهله ذلك.

(١) في "الكبرى" برقم (٧٨٦٧).
وهذا الحديث مما فات المزي عزوه للنسائي في الكبرى في "تحفة الأشراف" (١/ ٣٥٧) رغم أنَّه أتى بنفس السند، ولم يعزه إلا لابن ماجه، فلتنبه لذلك.
(*) ينتفع به: "نسخة".
(٢) برقم (٣٨٤٣) عن جابر.
(٣) برقم (٣٥٩٩) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
(٤) في "الكبرى" برقم (٧٨٦٨).
(٥) في الحلية (٦/ ١٧٩) بلفظ: "اللهم إني أسألك إيمانًا دائمًا، وهديًا قيمًا، وعلمًا نافعًا.
(٦) برقم (٥٠١٢).

3 / 9

ويفسر أيضًا: بأن العِلْم الَّذِي يضر ولا ينفع جهل؛ لأنّ الجهل به خير من العِلْم به؛ فإذا كان الجهل به خيرًا منه فهو شر من الجهل، وهذا كالسحر وغيره من الجهل، وهذا كالسحر وغيره من العلوم المضرة في الذين أو في الدُّنْيَا.
وقد رُوي عن النبي ﷺ تفسير بعض العلوم التي لا تنفع.
ففي "مراسيل أبي داود" (١) عن زيد بن أسلم قال: "قيل: يا رسول الله، ما أعلم فلانًا! قال: بم؟ قالوا بأنساب الناس، قال: علم لا ينفع وجهالة لا تضر".
وخرّجه أبو نعيم في كتاب "رياضة المتعلمين" من حديث بقية عن ابن جريج عن أبي هريرة مرفوعًا.
وفيه أنهم قالوا: أعلم الناس بأنساب العرب، وأعلم الناس بالشعر، وبما اختلفت فيه العرب. وزاد في آخره: "الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ مَا خَلاَهُنَّ فَهُوَ فَضْل: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ" (٢).
وهذا الإسناد لا يصح، وبقية دلسه عن غير ثقة.
وآخر الحديث خرجه أبو داود (٣) وابن ماجه (٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ فَضْل: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ" وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي وفيه ضعف مشهور.
وقد ورد الأمر بأن يتعلم من الأنساب ما نوصل به إِلَى الأرحام، من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ»

(١) في كتاب الأدب - باب ما جاء في العصبية وتعلم النسب برقم (٥١١).
(٢) أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العِلْم" (٢/ ٢٣) من طريق بقية به
وقال (٢/ ٢٤): في إسناد هذا الحديث رجلان لا يحتج بهما وهما سليمان وبقية .. الخ.
(٣) برقم (٢٨٨٥).
(٤) برقم (٥٤).

3 / 10

خرجه الإمام أحمد (١) والترمذي (٢).
وخرّجه حميد بن زنجويه من طريق آخر عن أبي هريرة مرفوعًا: «تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ ثم انتهوا، وَتَعَلَّمُوا الْعَرَبِيَّةَ مَا تُعْرِفُونَ بِهِ كِتَابَ اللهِ ثُمَّ انْتَهُوا، وَتَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ مَا تَهْتَدُونَ بِهِ فِي ظُلُمَاتِ الْبِرِّ وَالْبَحْرِ ثُمَّ انْتَهُوا" (٣) وفي إسناد رواته: ابن لهيعة، وخرج أيضًا من زواية نعيم بن أبي هند قال: قال عمر: تعلموا من النجوم ما تهتدون به في بركم وبحركم ثم أمسكوا، وتعلموا من النسبة ما تصلون به أرحامكم، وتعلموا ما يحل لكم من النساء ويحرم عليكم ثم انتهوا (٤).
وروى مسعر عن محمد بن عبيد الله قال: قال عمر بن الخطاب: تعلموا من النجوم ما تعرفون به القبلة والطريق.
وكان النخعي لا يرى بأسًا أن يتعلم الرجل من النجوم ما بهتدي به.
ورخص في تعلم منازل القمر أحمد وإسحاق، نقله عنهما حرب، زاد إسحاق: ويتعلم من أسماء النجوم ما يهتدي به.

(١) (٢/ ٣٧٤).
(٢) برقم (١٩٧٩) وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه.
(٣) أخرج شطره الأول ابن عدي في الكامل (٢/ ١٢) إِلَى قوله: "أرحامكم".
وفي إسناده بشر بن رافع الحارثي، نقل ابن عدي تضعيف أحمد والنسائي له، وقول ابن معين: شيخ كوفي وهو ثقة .... يحدث بمناكير. ونقل الخلاف بين العُلَمَاء هل بشر بن رافع هذا واحد أو اثنان، وأن الَّذِي وثقه ابن معين كوفي بينما صاحب الترجمة يمني من قبيلة بلحارث أشهر قبائل نجران. والله أعلم.
قال ابن عدي: وبشر بن رافع وأبو الأسباط إن كلانا اثنين، فلهما غير ما ذكرته، وكان أحاديث بشر بن رافع أنكر من أحاديث أبي الأسباط وأخرج شطره الأخير ابن عبد البر في "جامع بيان العِلْم وفضله" (١٤٧٤).
(٤) وأخرجه هناد في "الزهد" (٩٩٧) من طريق عمارة بن القعقاع قال: قال عمر: "تعلموا من النجوم ما تهتدون بها وتعلموا من الأنساب ما تواصلون به". وأورد شطره الأول الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٢/ ١٨٧) وقال: رواه حرب الكرماني.

3 / 11

وكره قتادة تعلم منازل القمر، ولم يرخص ابن عيينة فيه، ذكره حرب عنهما.
وقال طاوس: رب ناظر في النجوم ومتعلم حروف أبي جاد ليس له عند الله خلاق.
خرجه حرب، وخرّجه حميد بن زنجويه من رواية طاوس عن ابن عباس (١).
وهذا محمول عَلَى علم التأثير لا علم (التسيير) (*) فإن علم التأثير باطل محرم، وفيه ورد الحديث المرفوع: «مَنِ اقْتَبَسَ شعبة مِنَ النُّجُومِ فقد اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ» خرجه أبو داود (٢) من حديث ابن عباس مرفوعًا.
وخرج أيضًا (٣) من حديث قبيصة مرفوعًا «الْعِيَافَةُ وَالطِّيَرَةُ وَالطَّرْقُ مِنَ الْجِبْتِ» والعيافة: زجر الطير، والطرق: الخط في الأرض.
فعلم تأثير النجوم باطل محرم، والعمل بمقتضاه كالتقرب إِلَى النجوم، وتقريب القرابين لها كفر.
وأما علم التسيير فإذا تعلم منه ما يحتاج إِلَيْهِ للاهتداء ومعرفة القبلة، والطرق كان جائزًا عند الجمهور.
وما راد عليه فلا حاجة إِلَيْهِ وهو يشغل عما هو أهم منه، وربما أدى التدقيق فيه إِلَى إساءة الظن بمحاريب المسلمين في أمصارهم. كما وقع ذلك كثيرًا من أهل هذا العِلْم قديمًا وحديثًا، وذلك يفضي إِلَى اعتقاد خطأ الصحابة والتابعين في صلاتهم في كثير من الأمصار، وهو باطل.
وقد أنكر الإمام أحمد الاستدلال بالجدي، وقال إِنَّمَا ورد "ما بين المشرق والمغرب قبلة" يعني: لم يرد اعتبار الجدي ونحوه من النجوم.

(١) وعزاه أيضًا المناوي في "فيض القدير" (٤/ ١٧) لحميد بن زنجويه عن ابن عباس.
(*) التعبير: "نسخة".
(٢) برقم (٣٩٠٥).
(٣) برقم (٣٩٠٧).

3 / 12

وقد أنكر ابن مسعود عَلَى كعب قوله: إن الفلك تدور. وأنكر ذلك مالك وغيره، وأنكر الإمام أحمد عَلَى المنجمين قولهم أن الزوال يختلف في البلدان.
وقد يكون إنكارهم أو إنكار بعضهم لذلك؛ لأن الرسل لم تتكلم في هذا وإن كان أهله يقطعون به، وإن الاشتغال به ربما أدى إِلَى فساد عريض.
وقد اعترض بعض من كان يعرف هذا عَلَى حديث "النزول ثلث الليل الآخر" (١)، وقال: ثلث الليل يختلف باختلاف البلدان فلا يمكن أن يكون النزول في وقت معين.
ومعلوم بالضرورة من دين الإسلام قبح هذا الاعتراض، وأن الرسول ﷺ أو خلفاءه الراشدين لو سمعوا من يعترض به لما ناظروه، بل بادروا إِلَى عقوبته أو إلحاقه بزمرة المخالفين المنافقين المكذبين.
كذلك التوسع في علم الأنساب هو مما لا يحتاج إِلَيْهِ، وقد سبق عن عمر وغيره النهي عنه. مع أن طائفة من الصحابة والتابعين كانوا يعرفونه ويعتنون به.
وكذلك التوسع في علم العربية لغة ونحوًا، وهو مما يشغل عن العِلْم الأهم، والوقوف معه يَحرِمُ علمًا نافعًا. وقد كره القاسم بن مخيمرة علم النحو، وقال: أوله شغل وآخره بغي، وأراد به التوسع في معرفة اللغة وغريبها وأنكر عَلَى أبي عبيد توسعه في ذلك وقال: هو يشغل عما هو أهم منه.
ولهذا يقال: إن العربية في الكلام كالملح في الطعام. يعني: أنَّه يؤخذ منها ما بصلح الكلام كما يؤخذ من الملح ما يصلح الطعام، وما راد عَلَى ذلك فإنَّه يفسده.
وكذلك علم الحساب يحتاج منه إِلَى ما يعرف به حساب (ما ينتفع) (*) من قسمة الفرائض والوصايا والأموال التي تقسم بين المستحقين لها، والزائد عَلَى ذلك مما لا ينتفع به إلا في مجرد رياضة الأذهان وصقالها لا حاجة إِلَيْهِ ويشغل

(١) أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨).
(*) في المطبوع: "يقع".

3 / 13

عما هو أهم منه.
وأما ما أُحدث بعد الصحابة من العلوم التي توسع فيها أهلها وسموها علومًا، وظنوا أن من لم يكن عالمًا بها فهو جاهل أو ضال، فكلها بدعة. وهي من محدثات الأمور المنهي عنها، فمن ذلك ما أحدثته المعتزلة من الكلام في القدر وضرب الأمثال لله، وقد ورد النهي عن الخوض في القدر.
وفي (صحيحي) (*) ابن حبان (١) والحاكم (٢) عن ابن عباس مرفوعًا: "لَا يَزَالُ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُوَافِيًا وَمُقَارِبًا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا فِي الوِلْدَانِ وَالْقَدَرِ".
وقد رُوي موقوفًا، ورجح بعضهم وقفه. وخرج البيهقي (٣) من حديث ابن مسعود مرفوعًا: " «إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَ النُّجُومُ فَأَمْسِكُوا»، وقد رُوي من وجوه متعددة في أسانيدها مقال.
ورُوي عن ابن عباس "أنَّه قال لميمون بن مهران: إياك والنظر في النجوم، فإنها تدعو إِلَى الكهانة، وإياك والقدر فإنَّه يدعو إِلَى الزندقة، إياك وشتم أحد من أصحاب محمد ﷺ فيكبك الله في النار عَلَى وجهك" (٤) وخرّجه أبو نعيم مرفوعًا (٥) ولا يصح رفعه.
والنهي عن الخوض في القدر يكون عَلَى وجوه:

(*) صحيح: "نسخة".
(١) برقم (٦٧٢٤ - إحسان).
(٢) في "المستدرك" (١/ ٣٣) وقال: هذا حديث صحيح عَلَى شرط الشيخين، ولا نعلم له علة ولم يخرجاه.
(٣) وأخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٠٤٤٨)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٠٨).
وقال أبو نعيم: غريب من حديث الأعمش تفرد به عنه مسهر. وانظر الصحيحة للألباني برقم (٣٤).
(٤) أخرجه اللالكائي في "شرح اعتقاد أهل السنة" (١١٣٤).
(٥) وأخرجه السهمي في تاريخ جرجان (ص ٤٢٩) وذكر ابن حجر في اللسان (١/ ٢٩٨) أن هذا الخبر منكر.

3 / 14

منها: ضرب كتاب الله بعضه ببعض فينزع المثبت للقدر بآية والنافي له بأخرى ويقع التجادل في ذلك. وهذا قد رُوي أنَّه وقع في عهد النبي ﷺ وأن النبي ﷺ غضب من ذلك ونهى عنه (١). وهذا من جملة الاختلاف في القرآن والمراء فيه، وقد نهى عن ذلك (٢).
ومنها: الخوض في القدر إثباتًا ونفيًا "بالأقيسة العقلية، كقول القدرية: لو قدر وقضى ثم عذب كان ظالمًا، وقول من خالفهم: إن الله جبر العباد عَلَى أفعالهم، ونحو ذلك.
ومنها: الخوض في سر القدر، وقد ورد النهي عنه، عن علي وغيره من السَّلف، فإن العباد لا يطلعون عَلَى حقيقة ذلك.
ومن ذلك -أعني: محدثات الأمور- ما أحدثه المعتزلة، ومن حذا حذوهم من الكلام في ذات الله -تعالى- وصفاته بأدلة العقول وهو أشد خطرًا من الكلام في القدر؛ لأنّ الكلام في القدر كلام في أفعاله، وهذا كلام في ذاته وصفاته.
(وانقسم) (*) هؤلاء إِلَى قسمين:
أحدهما: من نفى كثيرًا مما ورد به الكتاب والسنة من ذلك لاستلزامه عنده التشبيه بالمخلوقين، كقول المعتزلة: لو رُوي لكان جسمًا؛ لأنّه لا يرى إلا في (جهة) (**).
وقولهم: لو كان له كلام يسمع لكان جسمًا. ووافقهم من نفى الاستواء، فنفوه لهذه الشبهة، وهذا طريق المعتزلة والجهمية.
وقد اتفق السَّلف عَلَى تبديعهم وتضليلهم، وقد سلك سبيلهم في بعض الأمور كثير ممن انتسب إِلَى السنة والحديث من المتأخرين.

(١) أخرجه مسلم (٢٦٦٦) عن عبد الله بن عمرو.
(٢) وبهذا المعنى حديث أخرجه أحمد (٢/ ٢٨٦) وأبو داود (٤٦٠٣) وغيرهما من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "المراء في القرآن كفر".
(*) وتقسم: "نسخة".
(**) وجهة: "نسخة".

3 / 15

والثاني: من (رام) (*) إثبات ذلك بأدلة العقول التي لم يرد بها الأثر، ورد عَلَى أولئك مقالتهم، كما هي طريقة مقاتل بن سليمان ومن تابعه كنوح بن أبي مريم، وتابعهم طائفة من المحدثين قديمًا وحديثًا، وهو أيضًا مسلك الكَرَّامية، فمنهم من أثبت لإثبات هذه الصفات الجسم، إما لفظًا وإما معنى، ومنهم من أثبت لله صفات لم يأت بها الكتاب والسُّنَّة كالحركة وغير ذلك مما هي عنده لازم الصفات الثابتة.
وقد أنكر السَّلف عَلَى مقاتل قوله في رده عَلَى جهم بأدلة العقل، وبالغوا في الطعن عليه، ومنهم من استحل قتله، منهم مكي بن إبراهيم شيخ البخاري وغيره.
والصواب ما عليه السَّلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تفسير لها ولا تكييف ولا تمثيل، ولا يصح عن أحد منهم خلاف ذلك ألبتة، خصوصًا الإمام أحمد، ولا خوضًا في معانيها ولا ضرب مثل، الأمثال لها.
وإن كان بعض من كان قريبًا من زمن أحمد فيهم من فعل شيئًا من ذلك اتباعًا لطريقة مقاتل، فلا يقتدى به في ذلك، وإنَّما الاقتداء بأئمة الإسلام كابن المبارك ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد ونحوهم.
وكل هؤلاء لا يوجد في كلامهم شيء من جنس كلام المتكلمين فضلا عن كلام الفلاسفة، ولم يدخل ذلك في كلامه من سلم من قدح وجرح. وقد قال أبو زرعة الرازي: كل من كان عنده علم فلم يصن علمه واحتاج في نشره إِلَى شيء من الكلام فلستم منه.
ومن ذلك -أعني: محدثات العلوم- ما أحدثه فقهاء أهل الرأي من ضوابط وقواعد عقلية ورد فروع الفقه إليها.
وسواء خالفت السنن أم وافقتها طردًا لتلك القواعد المقررة، وإن كان أصلها

(*) أراد: "نسخة".

3 / 16

مما تأولوه عَلَى نصوص الكتاب والسُّنَّة لكن بتأويلات يخالفهم غيرهم فيها، وهذا الَّذِي أنكره أئمة الإسلام عَلَى من أنكروه من فقهاء أهل الرأي بالحجاز والعراق وبالغوا في ذمه وإنكاره.
فأما الأئمة وفقهاء أهل الحديث؛ فإنهم يتبعون الحديث الصحيح حيث كان إذا كان معمولا به عند الصحابة ومن بعدهم أو عند طائفة منهم، فأما ما اتفق السَّلف عَلَى تركه، فلا يجور العمل به؛ لأنهم ما تركوه إلا عَلَى علم أنَّه لا بعمل به.
***

3 / 17

[مطلب]
قال عمر بن عبد العزيز: خذوا من الرأي ما يوافق من كان قبلكم؛ فإنهم كانوا أعلم منكم، فأما ما خالف عمل أهل المدينة من الحديث فهذا كان مالك يرى الأخذ بعمل أهل المدينة، والأكثر أخذوا بالحديث.
***

3 / 18

[مطلب]
ومما أنكره أئمة السَّلف، الجدال والخصام والمراء في مسائل الحلال والحرام أيضًا، ولم يكن ذلك طريقة أئمة الإسلام، وإنما أحدث ذلك بعدهم كما أحدثه فقهاء العراقين في مسائل الخلاف بين الشافعية والحنفية، وصنفوا كتب الخلاف ووسعوا البحث والجدال فيها، وكل ذلك محدث لا أصل له، وصار ذلك علمهم، حتى شغلهم عن العِلْم النافع.
وقد أنكر ذلك السَّلف وورد الحديث المرفوع في السنن (١) «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى، إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ. ثُمَّ قَرَأَ ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨]».
وقال بعض السَّلف: إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح له باب العمل وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شرًا أغلق عنه باب العمل وفتح له باب الجدل.
وقال مالك: أدركت هذه البلدة وإنهم ليكرهون هذا الإكثار الَّذِي فيه الناس اليوم -يريد المسائل.
وكان يعيب كثرة الكلام والفتيا ويقول: يتكلم (أحدهم) (*) كأنه جمل مغتلم، يقول: هو كذا هو كذا، يهدر في كلامه.
وكان يكره الجواب في كثرة المسائل ويقول: قال الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] فلم يأته في ذلك جواب وقِيلَ لَهُ: الرجل يكون عالمًا بالسنن يجادل عنها؟ قال: لا ولكن يخبر بالسُّنَّة، فإن قبل

(١) أخرجه الترمذي (٣٢٥٣) وقال: هذا حديث حسن صحيح إِنَّمَا نعرفه من حديث حجاج ابن دينار، وحجاج ثقة مقارب الحديث، وأبو غالب اسمه حزور.
وأخرجه ابن ماجه (٤٨).
(*) أحدكم: "نسخة".

3 / 19

منه وإلا سكت. وقال: المراء والجدال في العِلْم يذهب بنور العِلْم.
وقال: المراء في العِلْم يقسي القلب ويورث الطعن، وكان يقول في المسائل التي يسأل عنها كثيرًا: لا أدري. وكان الإمام أحمد يسلك سبيله في ذلك.
وقد ورد النهي عن كثرة المسائل وعن أغلوطات المسائل، وعن المسائل قبل وقوع الحوادث، وفي ذلك ما يطول ذكره.
ومع هذا ففي كلام السَّلف والأئمة كمالك والشافعي وأحمد وإسحاق التنبيه عَلَى مأخذ الفقه، ومدارك الأحكام بكلام وجيز مختصر يفهم به المقصود من غير إطالة ولا إسهاب.
وفي كلامهم من رد الأقوال المخالفة للسُّنة بألطف إشارة و(أحسن) (*) عبارة، بحيث يغني ذلك من فهمه عن إطالة المتكلمين في ذلك بعدهم، بل ربما لم يتضمن تطويل كلام من بعدهم من الصواب في ذلك، ما تضمنه كلام السَّلف والأئمة مع اختصاره وإيجازه.
فما سكت من سكت عن كثرة الخصام والجدال من سلف الأمة جهلًا ولا عجزًا، ولكن سكتوا عن علم وخشية لله.
وما تكلم من تكلم وتوسع من توسع بعدهم باختصاصه بعلم دونهم، ولكن حبّا للكلام وقلة ورع.
كما قال الحسن وسمع قومًا يتجادلون: هؤلاء قوم ملوا العبادة وخف عليهم القول، وقل ورعهم فتكلموا.
وقال مهدي بن ميمون: سمعت محمد بن سيرين وما رآه رجل ففطن له، فَقَالَ: إني أعلم ما يريد، إني لو أردت أن أماريك كنت عالمًا (بأبواب) (**)

(*) حسن: نسخة".
(**) باب: "نسخة".

3 / 20

المراء. وفي رواية قال: أنا أعلم بالمراء منك ولكني لا أماريك.
وقال إبراهيم النخعي: ما خاصمت قط،
وقال عبد الكريم الجزري: ما خاصم ورع قط.
وقال جعفر بن محمد: إياكم والخصومات في الدين؛ فإنها تشغل القلب وتورث النفاق.
وكان عمر بن عبد العزيز يقول: إذا سمعت المراء فأقصر. وقال من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل.
وقال: إن السابقين عن علم وقفوا، وببصر نافذ قد كفوًا، وكانوا هم أقوى عَلَى البحث لو بحثوا، وكلام السَّلف في هذا المعنى كثير جدًّا.
وقد فتن كثير من المتأخرين بهذا، وظنوا أن من كثر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين فهو أعلم ممن ليس كذلك، وهذا جهل محض. وانظر إِلَى أكابر الصحابة وعلمائهم كأبي بكر، وعمر، وعلي، ومعاذ، وابن مسعود، وزيد بن ثابت كيف كانوا؟ كلامهم أقل من كلام ابن عباس وهم أعلم منه.
وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة، والصحابة أعلم منهم. وكذلك تابعوا التابعين كلامهم أكثر من كلام التابعين، والتابعون أعلم منهم. فليس العِلْم بكثرة الرواية ولا بكثرة المقال، ولكنه نور يقذف في القلب يَفْهَم به العبدُ الحق، ويميز به بينه وبين الباطل، ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد.
وقد كان النبي ﷺ أوتي جوامع الكلم (١) واختصر له الكلام اختصارًا.
ولهذا ورد النهي عن كثرة الكلام والتوسع في القيل والقال (٢)، وقد قال

(١) أخرجه البخاري (٦٩٩٨)، ومسلم (٥٢٣).
(٢) يشير المصنف ﵀ لحديث النبي ﷺ الَّذِي أخرجه البخاري (١٤٧٧)، ومسلم (١٧١٥) عن أبي هريرة، وفيه: "إن الله كره لكم ثلاث: قيل وقال .. " الحديث.

3 / 21

النبي ﷺ: "إِنَّ الله لَمْ يَبْعَثْ نِبِيًّا إلاَّ مبلغًا، وإِنَّ تَشْقِيقُ الْكَلَامِ مِنَ الشَّيْطَانِ" (١) يعني أن النبي ﷺ إِنَّمَا يتكلم بما يحصل به البلاغ، وأما كثرة القول وتشقيق الكلام فإنَّه مذموم، وكانت خطب النبي ﷺ قصدًا (٢)، وكان يحدث حديثًا لو عده العاد لأحصاه (٣)، وقال: "إن من البيان سحرًا" (٤) وإنَّما قاله في ذم ذلك لا مدحًا له، كما ظن ذلك من ظنه، ومن تأمل سياق ألفاظ الحديث قطع بذلك.
وفي الترمذي (٥) وغيره (٦) عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «إِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْبَلِيغَ مِنَ الرِّجَالِ، الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ كَمَا يَتَخَلَّلُ الْبَقَرَةُ بِلِسَانِهَا» وفي المعني أحاديث كثيرة مرفوعة وموقوفة عَلَى عمر وسعد وابن مسعود وعائشة وغيرهم من الصحابة.
فيجب أن يعتقد أنَّه ليس كل من كثر بسطه للقول وكلامه في العِلْم، كان ممن ليس كذلك.
وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين أنَّه أعلم ممن تقدم، فمنهم من يظن في شخص أنَّه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم؛ لكثرة بيانه ومقاله، ومنهم من يقول: هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين، وهذا يلزم منه ما قبله؛ لأنّ هؤلاء الفقهاء المشهورين المتبوعين أكثر قولا ممن كان قبلهم، فإذا كان من بعدهم أعلم منهم لاتساع قوله كان أعلم ممن كان أقل منهم قولًا بطريق الأولى، كالثوري والأوزاعي والليث وابن المبارك وطبقتهم، وممن قبلهم من التابعين والصحابة

(١) أخرجه عبد الرزاق (١١/ ١٦٣، ١٦٤) من مرسل مجاهد.
(٢) أخرجه مسلم (٨٦٦).
(٣) أخرجه البخاري (٣٥٦٧)، ومسلم (٢٤٩٣) كتاب الزهد والرقائق، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العِلْم.
(٤) أخرجه البخاري (٥١٤٦).
(٥) برقم (٢٨٥٣) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وفي الباب عن سعد.
(٦) أخرجه أحمد (٢/ ١٦٥، ١٨٧)، وأبو داود (٥٠٠٥).

3 / 22

أيضًا؛ فإن هؤلاء كلهم أقل كلامًا ممن جاء بعدهم.
وهذا تنقص عظيم بالسلف الصالح، وإساءة ظن بهم، ونسبته لهم إِلَى الجهل وقصور العِلْم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولقد صدق ابن مسعود في قوله في الصحابة: "إنهم أبر الأمة قلوبًا، وأعمقها علومًا، وأقلها تكلفًا" ورُوي نحوه عن ابن عمر (١) أيضًا.
وفي هذا إشارة إِلَى أن من بعدهم أقل علومًا وأكثر تكلفًا، وقال ابن مسعود أيضًا: "إنكم في زمان كثير علماؤه قليل خطباؤه، وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه كثير خطباؤه" (٢) فمن كثر علمه وقل قوله فهو الممدوح، ومن كان بالعكس فهو مذموم.
وقد شهد النبي ﷺ لأهل اليمن بالإيمان والفقه (٣)، وأهل اليمن أقل الناس كلامًا وتوسعًا في العلوم (لكن) (*) علمهم علم نافع في قلوبهم، ويعبرون بألسنتهم عن القدر المحتاج إِلَيْهِ من ذلك، وهذا هو الفقه والعلم النافع.
فأفضل العلوم في تفسير القرآن ومعاني الحديث، والكلام في الحلال والحرام ما كان مأثورم عن الصحابة والتابعين وتابعيهم إِلَى أن ينتهي إِلَى زمن أئمة الإسلام المشهورين المقتدى بهم، الذين سميناهم فيما سبق.
فضبط ما رُوي عنهم في ذلك أفضل العِلْم مع تفهمه وتعقله والتفقه فيه، وما حدث بعدهم من التوسع لا خير في كثير منه، إلا أن يكون شرحًا لكلام يتعلق من كلامهم.
وأما ما كان مخالفًا لكلامهم فأكثره باطل أو لا منفعة فيه، وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة فلا يوجد في كلام من بعدهم من حق إلا وهو في كلامهم

(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٣٠٥).
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٧٨٩)، والطبراني (٩/ ٨٥٦٧).
(٣) أخرجه البخاري (٤٣٨٨)، ومسلم (٥٢).
(*) لأنّ: "نسخة".

3 / 23

موجود بأوجز لفظ وأخصر عبارة، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمله، ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة والمآخذ الدقيقة ما لا يهتدي إليه من بعدهم ولا يُسلِّم به.
فمن لم يأخذ العِلْم من كلامهم فاته ذلك الخير كله مع ما يقع في كثير من الباطل متابعة لمن تأخر عنهم، ويحتاج من أراد جمع كلامهم إِلَى معرفة صحيحه من سقيمه، وذلك بمعرفة الجرح والتعديل والعلل، فمن لم يعرف ذلك فهو غير واثق بما ينقله من ذلك ويلتبس عليه حقه بباطله، ولا يثق بما عنده من ذلك.
كما يرى من قل علمه بذلك لا يثق بما يروى عن النبي ﷺ عن السَّلف لجهله بصحيحه من سقيمه، فهو لجهله يجور أن يكون كله باطلا لعدم معرفته بما يعرف به صحيح ذلك وسقيمه.
قال الأوزاعي: العِلْم ما جاء به أصحاب محمد ﷺ فما كان غير ذلك فليس بعلم. وكذا قال الإمام أحمد، وقال في التابعين: أنت مخير -يعني: مخير في كابته وتركه.
وقد كان الزهري يكتب ذلك، وخالفه صالح بن كيسان ثم ندم عَلَى تركه كلام التابعين.
وفي زماننا يتعين كتابة كلام أئمة السَّلف المقتدى بهم إِلَى زمن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد، وليكن الإنسان عَلَى حذر مما حدث بعدهم، فإنَّه حدث بعدهم حوادث كثيرة، وحدث من انتسب إِلَى متابعة السنة والحديث من الظاهرية ونحوهم وهو أشد مخالفة لها لشذوذه عن (الأمة) (١) وانفراده عنهم بفهم يفهمه، أو يأخذ ما لم يأخذ به الأئمة من قبله.
فأما الدخول مع ذلك في كلام المتكلمين أو الفلاسفة فشر محض، وقلَّ من دخل في شيء من ذلك إلا وتلطخ ببعض أوضارهم (٢).

(١) في المطبوع: "الأئمة".
(٢) أوساخهم، وهي من وسخ الدسم واللبن "القاموس" مادة: "وضر".

3 / 24

كما قال أحمد: لا يخلو من نظر في الكلام إلا تجهم. وكان هو وغيره من أئمة السَّلف يُحذِّرون من أهل الكلام وإن ذبوا عن السُّنَّة.
وأما ما يوجد في كلام من أَحَبّ الكلام المحدث واتبع أهله من ذم من لا يتوسع في الخصومات والجدال ونسبته إِلَى الجهل أو إِلَى الحشو، وإلى أنَّه غير عارف بالله أو غير عارف بدينه، فكل ذلك من خطوات الشيطان نعوذ بالله منه.
ومما أُحدث من العلوم والكلام في العلوم الباطنة من المعارف وأعمال القلوب وتوابع ذلك، بمجرد الرأي والذوق أو الكشف وفيه خطر عظيم، وقد أنكره أعيان الأئمة كالإمام أحمد وغيره.
وكان أبو سليمان يقول: إنه لتمر بي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسُّنَّة.
وقال الجنيد: عِلْمُنا هذا مقيد بالكتاب والسنَّة، من لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في علمنا هذا.
وقد اتسع الخرق في هذا الباب، ودخل فيه قوم إِلَى أنواع الزندقة والنفاق، ودعوى أن أولياء الله أفضل من الأنبياء، أو أنهم مستغنون عنهم، وإلى التنقص بما جاءت به الرسل من الشرائع، وإِلَى دعوى الحلول والاتحاد أو القول بوحدة الوجود، وغير ذلك من أصول الكفر والفوق والعصيان، كدعوى الإباحة، وحل محظورات الشرائع.
وأدخلوا في هذا الطريق أشياء كثيرة ليست من الدين في شيء، فبعضها زعموا أنَّه يحصل به ترقيق القلوب كالغناء والرقص، وبعضها زعموا أنَّه يراد لرياضة النفوس، كعشق الصور المحرمة ونظرها، وبعضها زعموا أنَّه لكسر النفوس والتواضع، كشهوة اللباس وغير ذلك مما لم تأت به الشريعة، وبعضه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة كالغناء والنظر المحرم، وشابهوا بذلك الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا.
***

3 / 25