وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها : «كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا، وأشقاه عيشا، وأبينه ضلالة، وأعراه جلودا، وأجوعه بطونا، معكومين على رأس جحر بين الأسدين؛ فارس والروم. لا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه. من عاش منهم عاش شقيا! ومن مات ردي في النار! يؤكلون، ولا يأكلون! والله ما نعلم قبيلا يومئذ من حاضر الأرض، كانوا فيها أصغر حظا، وأدق فيها شأنا منهم، حتى جاء الله عز وجل بالإسلام، فورثكم به الكتاب. وأحل لكم به دار الجهاد، ووسع لكم به من الرزق، وجعلكم به ملوكا على رقاب الناس!!».
2
والعرب لما انتصرت قبيلة منهم على فرقة من الجيش الفارسي يوم ذي قار؛ عدت ذلك فخرا عظيما، مع أنه ليس بشيء ذي خطر، فأي فرقة لأي أمة عرضة للانهزام، ولكن العرب أحسوا بالفخر العظيم لانتصارهم، كأنهم ما كانوا يتوقعون أن تهزم حملة فارسية، بل في نفس هذه القصة مستند قوي لما نقول، وهو: أن العرب لما انتصروا يوم ذي قار لم يتغنوا بنصرة العرب على الفرس، إنما تغنوا بنصرة القبائل التي اشتركت في الحرب، وهم: الشيبانيون، والمجليون واليشكريون، ولم تتجل في الغناء روح عربية عامة.
ويخبرنا الطبري: أنه عندما أراد عمر فتح فارس تخوفوا من الفرس، وعجبوا كيف يستطيعون أن يحاربوهم! يقول: «وكان وجه فارس من أكره الوجوه إليهم (إلى المسلمين) وأثقلها عليهم؛ لشدة سلطانهم، وشوكتهم، وعزهم ، وقهرهم الأمم». وروى أن المثنى بن حارثة تكلم فقال: «يا أيها الناس، لا يعظمن عليكم هذا الوجه، فإنا قد تبحبحنا ريف فارس، وغلبناهم على خير شقي السواد، وشاطرناهم، ونلنا منهم، واجترأ من قبلنا عليهم، ولها إن شاء الله ما بعدها!!»
3
فالذي يظهر لنا من هذا كله: أن العربي في الجاهلية كان يعتز بقبيلته. والمحمدة التي يفتخر بها هي التي يأتي أفراد قبيلته، فلما رهن حاجب ابن زرارة قوسه عند كسرى ووفى ابنه بالرهن! كان الذي يفتخر بذلك قبيلة تميم،
4
والذي يفتخر بالشعر أو الشجاع قبيلته، وقل أن يتجاوزوا ذلك إلى عد المكرمة، مكرمة أمة!.
فلما جاء الإسلام، تكون العرب أمة، وكانت فيها خصائص الأمة التي أشرنا إليها؛ من اتحاد لغة ودين وميول، ومن وجود حكومة على رأسها، وأعقب ذلك الانتصار على أضخم أمتين كانتا في عصرها، وهما فارس، والروم. ولكن مع هذا لم تنمح الروح القبلية، فوجدت النزعتان معا: «نزعة العربي لقبيلته، ثم بطنه، ثم فخذه»، و«نزعته للدم العربي، والأمة العربية، والجنس العربي»، وسارت النزعتان جنبا إلى جنب، في صدر الإسلام، وصرنا نسمع العربي يفتخر بقبيلته في الإسلام، كما كان في الجاهلية، وزاد في الإسلام الافتخار بالجنس العربي، كالذي يقول:
إنا من النفر الذين جيادهم
Shafi da ba'a sani ba