Addinin Mutum
دين الإنسان: بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني
Nau'ikan
في الفيزياء الكمومية. هذا الوضع لا ينشأ، كما يمكن أن يتبادر إلى الذهن، عن قصور في الوضع الحالي لتقنيات القياس، بل هو وضع ناجم عن طبيعة العالم الكمومي، الذي تتحدى ظواهره تجاربنا اليومية وفهمنا المعتاد. وتتعدى حالة اللاتعيين التي تواجهنا في ملاحظة حركة الكموم، والعلاقة بين سرعة الجسيم وموضعه، إلى علائق أخرى مثل الزمن الذي تستغرقه حادثة على المستوى الذري والطاقة اللازمة لإتمامها.
إن عدم قدرتنا على تقرير سرعة وموضع الجسيم، يعني أننا لا نستطيع التنبؤ بدقة بأحواله المقبلة كما هو الأمر مع الأجسام المتحركة في عالمنا المعتاد. من هنا، فإن ميكانيك الكم لا يتنبأ بأحداث محددة، بل باحتمالات وقوع هذه الأحداث. وفي هذا المجال، فإن ميكانيك الكم يتمتع في حساب الاحتمالات بالدقة نفسها التي يتمتع بها الميكانيك التقليدي في توقع الأحداث؛ فالفيزياء التقليدية تقول: إذا كانت الأمور الآن على حالة كذا وكذا، فإن كذا وكذا لا بد حاصل. أما الفيزياء الكوانتية فتقول: إذا كانت الأمور الآن على حالة كذا وكذا، فإن احتمال حدوث كذا وكذا هو ... وهنا يحسب الاحتمال بدقة وفق أساليب رياضية خاصة.
ينجم عن هذا الوضع الذي نواجهه على المستوى الكمومي، مسألة فلسفية على غاية من التعقيد؛ فالجسم الحقيقي يجب أن يتمتع بسرعة معينة، ويجب في الوقت نفسه أن يتواجد في موضع معين. ولكن الوضع الكمومي يخيرنا بين معرفة واحد فقط من هذين الوجهين على حساب فقدان الآخر. وهذا يعني أننا لا نؤثر فقط في عالم الواقع، بل إننا نعمل بشكل ما على خلقه. فخيارنا لقياس السرعة يظهر لنا السرعة، وخيارنا لمعرفة الموضع يظهر لنا ذلك الموضع. وبتعبير آخر، فإن خيارنا لمعرفة الموضع يظهر لنا ذلك الموضع. وبتعبير آخر، فإن خيارنا لاكتشاف خاصية ما ربما يعمل على خلق هذه الخاصية وإظهارها إلى حيز وعي المراقب. وهنا يزول مفهوم الإنسان المراقب للطبيعة، ليحل محله مفهوم الإنسان المشارك في حدوث عمليات الطبيعية. وفي هذا يقول الفيزيائي المعروف من جامعة برنستون جون ويلر ما يلي: «إن أهم ما في الفيزياء الكوانتية أنها ألغت مفهوم العالم الذي يقع وراء عدسة المراقب المستريح خلف أدوات رصده. إن رصد جسيم صغير مثل الإلكترون يتطلب من المراقب أن يخترق أداة رصده ليصل إليه، إن عليه أن يختار بين تحضير عدته لرصد سرعة الإلكترون أو تحضيرها بشكل مختلف لرصد موضعه؛ لأن أحد التحضيرين يمنع ويستبعد التحضير الآخر. وفوق ذلك، فإن عملية القياس تغير من حالة الإلكترون الأصلية، ولن يعود الحال إلى ما كان عليه قبل القياس. فإذا أردنا أن نصف حقيقة ما حدث، وجب علينا أن نتجاوز مفهوم المراقب، ونستبدله بالمفهوم الجديد وهو المشارك؛ ذلك أن الكون هو، بطريقة غريبة ما، كون تشاركي.»
3
ففي العالم الصغري، إذن لا يستطيع الفيزيائي أن يلعب دور المراقب الموضوعي، كما كان حال الفيزيائي التقليدي، والموضوعية العلمية هنا لا محل لها ولا معنى؛ لأن المراقب ينخرط بشكل عضوي في العالم الذي يراقبه، إلى درجة تأثيره في الظاهرة التي يراقبها. فنحن جزء من الطبيعة، وعندما نقوم بدراسة أية ظاهرة من ظواهرها، فإن الطبيعة بشكل ما هي التي تعمل على دراسة نفسها بنفسها. ولسوف نرى فيما بعد كيف انتهت الفيزياء الحديثة إلى موقف غير علمي (بالمعنى القديم للكلمة)، وذلك باكتشافها أن الرجوع إلى الوعي ضرورة أساسية من ضرورات صياغة قوانين الميكانيك الكمومي. أما الآن فلنعد إلى بعض الأفكار الأولية حول العالم الصغري.
إن الانتقال من العالم الكبري إلى العالم الصغري يتم على مرحلتين؛ الأولى تنقلنا إلى المستوى الذري، والثانية إلى المستوى ما دون الذري؛ أي عالم الجسيمات الدقيقة. إن أصغر جسم في العالم الكبري يمكن رؤيته بأقوى المجاهر ليحتوي على ملايين الذرات التي لا يمكن رؤيتها مباشرة بأية وسيلة كانت. وإذا أردنا إعطاء فكرة عن مدى ضآلة حجم هذه الذرات الموجودة، مثلا، في كرة بحجم طابة التنس، فإننا نطلب من القارئ أن يتخيل هذه الطابة وقد تضخمت حتى غدت بحجم الكرة الأرضية، عندها فقط يمكن له رؤية ذراتها التي تكون بحجم حبات العنب تملأ هذه الطابة التي ضاهت الأرض عظما. ولكن الذرة ليست أصغر مكونات المادة؛ فلقد اكتشفت الفيزياء الحديثة، منذ أواخر القرن التاسع عشر، أن الذرة تتألف بدورها من جسيمات أصغر منها، تم حصرها مبدئيا في ثلاثة هي البروتون والنيترون والإلكترون، ودعيت بالجسيمات الأولية، اعتقادا من العلماء بأن هذه هي المكونات الأساسية للمادة ولبناتها الأولى. فإذا أردنا إعطاء فكرة عن مدى ضآلة هذه الجسيمات، بدورها، بالنسبة إلى الذرة، فإننا نطلب من القارئ أن يتخيل الذرة وقد صارت بحجم قبة مسجد يعادل ارتفاعها مبنى باثني عشر طابقا، عند ذلك يستطيع أن يرى نواة الذرة على شكل بضع حبيبات من الملح هي البروتونات والنيترونات المكونة للنواة، وأن يرى الإلكترونات عبارة عن نثرات من الغبار الدقيق تتحرك على مدارات حول النواة، أبعدها يتطابق وسقف القبة العالية. هذا هو النظام الشمسي للذرة كما تصوره الفيزيائي البريطاني رذر فورد عام 1911م، وكما طوره بعد ذلك الدانيمركي نيلز بوهر
N. Bohr
عام 1913م، اعتمادا على تجربته المشهورة في تحليل طيف توهج غاز الهيدروجين.
إلا أن نظرية الكم التي ظهرت بعد ذلك بقليل، وتطورت خلال العقود الأولى من القرن العشرين، قد أظهرت لنا أن الجسيمات الأولية في العالم ما دون الذري لا يمكن مقارنتها من حيث طبيعتها بحبات الملح أو نثرات الغبار؛ لأن هذه الحبات والنثرات في العالم الكبري هي «أشياء» أو «موضوعات» ذات كيان محدد، أما الجسيمات المدعوة بالأولية، فلا تمتلك «وجودا» من هذا القبيل، بل إنها تنحو لأن تكون موجودة. ومقدار ميلها إلى الوجود يمكن حسابه بواسطة الاحتمالات. إنها مقدار أو كم من شيء ما لا نستطيع تحديد هويته حتى الآن. وبتعبير آخر، فإن الوحدات الأساسية المكونة للمادة ليست لبنات مادية، بل هي كموم من موجود لا ندري كنهه، وأحداث احتمالية تتحقق عندما نجري عليها عملية القياس والرصد. وبما أن عملية الرصد تغير، كما رأينا، من حقيقة المرصود وتحدث فيه اضطرابا، فإننا لن نعرف قط حقيقة المرصود في ذاته، وبمعزل عن الراصد، هذا إن كانت له حقيقة مستقلة عن مشاركتنا إياه حال الوجود. لقد أظهرت التحليلات الدقيقة لعمليات الرصد على المستوى الصغري، أن الجسيمات الدقيقة (= ما دون الذرية) لا يمكن فهمها ككيانات منعزلة مستقلة عن بعضها، وإنما كنوع من العلائق المتبادلة بين أدوات الرصد وما يرافقها من تحضيرات من جهة، والنتائج التي تتحصل لدينا في نهاية عملية القياس والرصد من جهة أخرى. ونحن كلما توغلنا في أعماق المادة، تقابلنا الطبيعة بنوع من الوجود تغيب في مواجهته فكرة المكونات الأساسية، ليحل محلها فكرة النسيج الموحد الذي تشكله العلائق لا الوحدات المادية الصغرى. ومع ذلك، فإن فيزياء الكم بقيت تتعامل مع الجسيمات الأولية باعتبارها «أشياء» و«موضوعات»؛ وذلك لسببين؛ الأول استمرار نوع من الفكر الفيزيائي التقليدي في الفيزياء الحديثة، والثاني عدم وجود خيار آخر في الوقت الحاضر أمام الفيزياء؛ لأن لغاتنا التقليدية ومفاهيمنا السائدة ليست في حال يسمح بابتكار مصطلحات جديدة تستوعب الرؤية الجديدة للكون.
لقد قلنا إن ميل الظواهر دون الذرية إلى الوجود تحكمه الاحتمالات. أما مبدأ الاحتمال فمتصل بالإحصاء، والإحصاء هو وصف لسلوك الجماعات لا الأفراد. تستخدم أساليب الإحصاء الحديثة على نطاق واسع اليوم من أجل التنبؤ بسلوك المجموعات. من ذلك مثلا، ما تقوم به الجهات المختصة في مجتمع ما من دراسة النمو السكاني لهذا المجتمع، والمعدلات المرتقبة لزيادة السكان خلال فترة معينة قادمة. إن هذه المعدلات المرتقبة تتنبأ بزيادة إجمالية مقدارها كذا، ولكنها تعجز عن التنبؤ بالعائلات التي سوف تساهم في تقديم المواليد الجديدة وتلك التي لن تفعل. وإدارة المرور في المدن الكبيرة تقوم بدراسات إحصائية تشمل بعض التقاطعات الحرجة، لتعرف نسبة السيارات التي تنعطف نحو اليسار وتلك التي تنعطف نحو اليمين، أو التي تتبع قدما نحو الأمام. وهنا تقدم قوانين الإحصاء مساعدة بالغة في التنبؤ بالسلوك الإجمالي للسيارات، ولكنها تعجز عن تحديد السيارات التي سوف تنعطف يمينا أو يسارا.
Shafi da ba'a sani ba