خَلَف. ثم تركتُها كما تركت غيرها، وقلت: أمشي على الجادة العريضة، ما لي ولبُنَيّات الطريق؟ والجادةُ هي الكتاب والسنّة والفقه المستمَدّ منهما.
سقى الله أيامي مع الشيخ أبي الخير! لقد كانت من أمتع أيام حياتي. وداره الفسيحة التي لم يكُن لها رونق دور الأغنياء المترَفين ولكن لها سعتها وهدوؤها وزهرها وشجرها. كنت أرقب -النهارَ كله- ساعةَ الدرس في المساء، وكان يحضره أربعون أو خمسون، وكان درس النحو. ولقد قرأت عليه «الأزهرية» و«القطر» و«الشذور» و«ابن عقيل»، وكان يشرح باللهجة العامية، ولكن طريقته تثبت النحو حتى لا يمكن أن يُنسى.
كان يقول مثلًا: «جاء قاضيٌ» ... قاضيٌ؟ أترونها سائغة، الياء لتحت والضمة لفوق؟ فوق وتحت معًا؟ لا، لا؛ فلنحذف هذه الضمة. «جاء قاضين». ساكنان؟ تصوّروا التقاء ساكنين ساكتين! هذا مجلس لا يُطاق، فلينصرف أحدهما. لقد انصرف، فصارت: جاء قاضٍ.
وكان أكثر الحاضرين أكبر مني سنًا، ولكني كنت أكثرهم علمًا فأقامني معيدًا للدرس. وكان له درسان في الأسبوع للحديث قرأنا فيهما الصحيحَين وبعض سنن أبي داود، وكان له مجلس للختم، مجلس نقشبندي، حضرته مرة فلم يرتَحْ له قلبي، فاستعفيته منه فأعفاني. وأنا والحمد لله لم أدخل في «طريقة» من الطرق الصوفية ولا «حزب» من الأحزاب السياسية.
* * *