Yin Alla-wadai da Sha'awa

ذم الهوى

Editsa

مصطفى عبد الواحد

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله حمد الشَّاكِرِينَ، وصلواته على سيد الْمُرْسلين، مُحَمَّد النَّبِي الْأُمِّي وَآله الطاهرين، وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا.
شكا إِلَى بعض من أثرت شكواه إثارة همتي فِي جمع هَذَا الْكتاب، من بلَاء ابتلى بِهِ، وَهوى هوى فِيهِ، وسألني الْمُبَالغَة فِي وصف دَوَاء دائه، فأهديت لَهُ نصيحة وديد لأودائه، وَقد أتيت بهَا على أبلغ تَرْتِيب، وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب.
فصل:
اعْلَم يَا أخي، وفقنا الله وَإِيَّاك لمراضيه، وعصمنا وَإِيَّاك عَن مَعَاصيه، أَنَّك لم تشك إِلَى مرضك إِلَّا وفيك بعد بَقِيَّة ترجى بهَا السَّلامَة، فبادر إِلَى اسْتِعْمَال الدَّوَاء، وَبَالغ فِي مُلَازمَة الحمية، وَقد رَجَوْت لَك الْعَافِيَة.
فَأَما إِن كنت تمضى فِي تخليصك وَلَا تصبر على مضض مَا يُوصف لَك، فَإنَّك تتعبنى وتتعب.
وَأعلم أَنِّي قد نزلت لِأَجلِك فِي هَذَا الْكتاب عَن يفاع الْوَقار، إِلَى حضيض التَّرَخُّص فِيمَا أورد، اجتذابا لسلامتك، واجتلابا لعافيتك، وَقد مددت فِيهِ النَّفس بعض الْمَدّ، لِأَن مثلك مفتقر إِلَى مَا يلهيه من الأسمار، عَن الْفِكر فِيمَا هُوَ بصدده من الأخطار، فَلْيَكُن هَذَا الْكتاب سميرك، وَاسْتِعْمَال مَا آمُرك بِهِ فِيهِ شغلك، وَالله ولى صلاحك، فَإِنَّهُ لَا عَاصِم إِلَّا من رحم.

1 / 1

فصل:
وَقد ضمنت هَذَا الْكتاب خمسين بَابا، وَهَذِه تراجم الْأَبْوَاب:
الْبَاب الأول: فِي الْعقل وفضله وَمَا جَاءَ فِيهِ.
الْبَاب الثَّانِي: فيذم الْهوى والشهوات.
الْبَابُ الثَّالِثِ: فِي ذِكْرِ مُجَاهَدَةِ النَّفس ومحاسبتها وتوبيخها.
الْبَابُ الرَّابِعُ: فِي مَدْحِ الصَّبْرِ والحث عَلَيْهِ.
الْبَابُ الْخَامِسُ: فِي حِرَاسَةِ الْقَلْبِ من التَّعَرُّض بالشواغل والفتن.
الْبَابُ السَّادِسُ: فِي ذِكْرِ مَا يصدأ بِهِ الْقلب.
الْبَابُ السَّابِعُ: فِي ذِكْرِ مَا يَنْفِي عَن الْقُلُوب صداها.
الْبَابُ الثَّامِنُ: فِي ذِكْرِ تَقْلِيبِ الْقُلُوبِ وَالرَّغْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي إصلاحها.
الْبَابُ التَّاسِعُ: فِي ذِكْرِ الْوَاعِظِ من الْقلب.
الْبَابُ الْعَاشِرُ: فِي الأَمْرِ بِتَفْرِيغِ الْقلب من غير محبَّة.
الْبَابُ الْحَادِي عَشَرَ: فِي الأَمْرِ بغض الْبَصَر.
الْبَابُ الثَّانِي عَشَرَ: فِي ذَمِّ فضول النّظر.
الْبَابُ الثَّالِثَ عَشَرَ: فِي التَّحْذِيرِ من شَرّ النّظر.
الْبَابُ الرَّابِعَ عَشَرَ: فِي النَّهْيِ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْمُرْدَانِ وَمُجَالَسَتِهِمْ.
الْبَابُ الْخَامِسَ عَشَرَ: فِي ذِكْرِ إِثْم النّظر وعقوبته.
الْبَابُ السَّادِسَ عَشَرَ: فِي ذِكْرِ مَنْ عَاقَبَ نَفْسَهُ عَلَى النَّظَرِ.
الْبَابُ السَّابِعَ عَشَرَ: فِي ذِكْرِ مَنْ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَخْذُ بَصَره خوف الْفِتْنَة.
الْبَابُ الثَّامِنَ عَشَرَ: فِي ذِكْرِ ثَوَابِ مَنْ غَضَّ بَصَرَهُ عَنِ الْحَرَام.
الْبَابُ التَّاسِعَ عَشَرَ: فِي مُعَالَجَةِ الْهَمِّ وَالْفِكْرِ الْمُتَوَلِدِ عَنِ النَّظَرِ.
الْبَابُ الْعِشْرُونَ: فِي ذِكْرِ مَا يَصْنَعُ مَنْ رَأَى امْرَأَةً فَأَعْجَبَتْهُ.

1 / 2

الْبَاب الْحَادِي وَالْعشْرُونَ: فِي تَحْرِيم الْخلْوَة بالأجنبية.
الْبَابُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: فِي التَّحْذِيرِ من فتْنَة النِّسَاء.
الْبَابُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: فِي التَّخْوِيفِ من الْفِتَن ومكايد الشَّيْطَان.
الْبَابُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: فِي التَّحْذِيرِ من المعاصى وقبح أَثَرهَا.
الْبَابُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: فِي ذَمِّ الزِّنَا.
الْبَاب السَّادِس وَالْعشْرُونَ: فِي التحذير من عمل قوم لوط.
الْبَاب السَّابِع وَالْعِشْرُونَ: فِي ذِكْرِ عُقُوبَةِ اللُّوطِيِّ فِي الدُّنْيَا.
الْبَابُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: فِي ذِكْرِ عُقُوبَة اللوطي فِي الْآخِرَة.
الْبَابُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: فِي التَّحْذِيرِ من الْعُقُوبَات.
الْبَابُ الثَّلاثُونَ: فِي الْحَثِّ عَلَى التَّوْبَة وَالِاسْتِغْفَار.
الْبَاب الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: فِي الافتخار بالعفاف.
الْبَاب الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: فِي ذكر مَنْ ذَكَرَ رَبَّهُ فَتَرَكَ ذَنْبَهُ.
الْبَابُ الثَّالِثُ وَالثَّلاثُونَ: فِي الْحَثِّ على النِّكَاح.
الْبَابُ الرَّابِعُ وَالثَّلاثُونَ: فِي ذَمِّ مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا.
الْبَابُ الْخَامِسُ وَالثَّلاثُونَ: فِي ذِكْرِ مَاهِيَّة الْعِشْق وَحَقِيقَته.
الْبَابُ السَّادِسُ وَالثَّلاثُونَ: فِي ذِكْرِ سَبَب الْعِشْق.
الْبَابُ السَّابِعُ وَالثَّلاثُونَ: فِي ذِكْرِ ذمّ الْعِشْق.
الْبَابُ الثَّامِنُ وَالثَّلاثُونَ: فِي ذِكْرِ ثَوَابِ مَنْ عَشَقَ وَعَفَّ وَكَتَمَ.
الْبَابُ التَّاسِعُ وَالثَّلاثُونَ: فِي ذِكْرِ الآفَاتِ الَّتِي تَجْرِي عَلَى الْعَاشِقِ مِنَ الْمَرَضِ وَالضَّنَى وَالْجُنُونِ، وَغَيْرِ ذَلِك.
الْبَابُ الأَرْبَعُونَ: فِي ذِكْرِ الْحِيَلِ والمخاطرات بالنفوس وإلقائها إِلَى الْهَلَاك لأجل لِقَاء المحبوب.
الْبَاب الْحَادِي الْأَرْبَعُونَ: فِي ذِكْرِ مَنْ ضُرِبَتْ بِهِ الْأَمْثَال من العشاق.

1 / 3

الْبَابُ الثَّانِي وَالأَرْبَعُونَ: فِي ذِكْرِ مَنْ حَمَلَهُ الْعِشْقُ عَلَى أَنْ زنى بمحارمه.
الْبَابُ الثَّالِثُ وَالأَرْبَعُونَ: فِي ذِكْرِ من كفر بِسَبَب الْعِشْق.
الْبَابُ الرَّابِعُ وَالأَرْبَعُونَ: فِي ذِكْرِ مَنْ حَمَلَهُ الْعِشْقُ عَلَى قَتْلِ النَّاس.
الْبَابُ الْخَامِسُ وَالأَرْبَعُونَ: فِي ذِكْرِ أَخْبَار من قتل معشوقة.
الْبَابُ السَّادِسُ وَالأَرْبَعُونَ: فِي ذِكْرِ أَخْبَارِ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْعُشَّاقِ.
الْبَابُ السَّابِعُ وَالأَرْبَعُونَ: فِي ذِكْرِ أَخْبَار من قَتله الْعِشْق.
الْبَابُ الثَّامِنُ وَالأَرْبَعُونَ: فِي ذِكْرِ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسَبَبِ الْعِشْقِ.
الْبَابُ التَّاسِعُ وَالأَرْبَعُونَ: فِي ذِكْرِ أدوية الْعِشْق.
الْبَاب الْخَمْسُونَ: فِيهِ مَجْمُوع وَصَايَا وزواجر ومواعظ. فَهَذِهِ جَمِيع أَبْوَاب الْكتاب. وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد النَّبِي الْأُمِّي وعَلى آله وَسلم تَسْلِيمًا.

1 / 4

الْبَابُ الأَوَّلُ فِي ذِكْرِ الْعَقْلِ وَفَضْلِهِ وَذِكْرِ مَاهِيَّتِهِ
اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَاهِيَّةِ الْعَقْلِ اخْتِلافًا كَثِيرًا
فَقَالَ قَوْمٌ هُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ
وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ غَرِيزَةٌ يَتَأَتَّى مَعَهَا دَرْكُ الْعُلُومِ
وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ قُوَّةٌ يُفَضَّلُ بِهَا بَيْنَ حَقَائِقِ الْمَعْلُومَاتِ
وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ جَوْهَرٌ بَسِيطٌ وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ جِسْمٌ شَفَّافٌ
وَقَالَ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ هُوَ نُورٌ
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ الْعَقْلُ غَرِيزَةٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْمُحَاسِبِيِّ أَيْضًا مِثْلُهُ
وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا أَنْ يُقَالَ الْعَقْلُ غَرِيزَةٌ كَأَنَّهَا نُورٌ يُقْذَفُ فِي الْقَلْبِ فَيَسْتَعِدُّ لإِدْرَاكِ الأَشْيَاءِ فَيَعْلَمُ جَوَازَ الْجَائِزَاتِ وَاسْتِحَالَةَ الْمُسْتَحِيلاتِ وَيَتَلَمَّحُ عَوَاقِبَ الأُمُورِ
وَذَلِكَ النُّورُ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ وَإِذَا قَوِيَ ذَلِكَ النُّورُ قَمَعَ بِمُلاحَظَةِ الْعَوَاقِبِ عَاجِلَ الْهَوَى
ذِكْرُ مَحِلِّ الْعَقْلِ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا يَقُولُونَ مَحِلُّهُ الْقَلْبُ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الشَّافِعِيِّ
﵁
وَدَلِيلُهُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَتكون لَهُم قُلُوب يعْقلُونَ بهَا﴾

1 / 5

وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لمن كَانَ لَهُ قلب﴾ قَالُوا الْمُرَادُ لِمَنْ كَانَ لَهُ عَقْلٌ فَعَبَّرَ بِالْقَلْبِ عَنِ الْعَقْلِ لأَنَّهُ مَحِلُّهُ
وَنَقَلَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَحْمَدَ ﵁ أَنَّ مَحِلَّهُ الدِّمَاغُ
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁
ذِكْرُ فَضْلِ الْعَقْلِ من طَرِيق النَّفْل
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَرَ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَيُّوبَ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَخْلَدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبَّرِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرَأَيْتِ الرَّجُلَ يَقِلُّ قِيَامُهُ وَيَكْثُرُ رُقَادُهُ وَآخَرَ يَكْثُرُ قِيَامُهُ وَيَقِلُّ رُقَادُهُ أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكِ قَالَتْ سَأَلْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي فَقَالَ أَحْسَنُهُمَا عَقْلا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا أَسْأَلُكَ عَنْ عِبَادَتِهِمَا فَقَالَ يَا عَائِشَةُ إِنَّهُمَا لَا يُسْأَلانِ عَنْ عِبَادَتِهِمَا إِنَّمَا يُسَأَلانِ عَنْ عُقُولِهِمَا فَمَنْ كَانَ أَعْقَلَ كَانَ أَفْضَلَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَقِّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ رِزْقَوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُلْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ التَّمِيمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبَّرِ قَالَ حَدَّثَنَا غِيَاثُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ لُوطٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ لِكُلِّ سَبِيلٍ مَطِيَّةً وَثِيقَةً وَمَحَجَّةً

1 / 6

وَاضِحَةً وَأَوْثَقُ النَّاسِ مَطِيَّةً وَأَحْسَنُهُمْ دَلالَةً وَمَعْرِفَةً بِالْمَحَجَّةِ الْوَاضِحَةِ أَفْضَلُهُمْ عَقْلا
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ صُقَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ عَنْ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ وَأَهْلِ الصَّلاةِ وَأَهْلِ الْحَجِّ وَأَهْلِ الْجِهَادِ فَمَا يُجْزَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلا بِقَدْرِ عَقْلِهِ
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ الْمَهْدِيِّ قَالَ أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ شَاهِينَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَاغَنْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ النُّورِ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَقَدْ سَبَقَ إِلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ أَقْوَامٌ مَا كَانُوا بِأَكْثَرِ النَّاسِ صَلاةً وَلا صِيامًا وَلا حَجًّا وَلا اعْتِمَارًا وَلَكِنَّهُمْ عَقَلُوا عَنِ اللَّهِ ﷿ مَوَاعِظَهُ فَوَجِلَتْ مِنْهُمْ قُلُوبُهُمْ وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النُّفُوسُ وَخَشِعَتْ مِنْهُمُ الْجَوَارِحُ فَفَاقُوا الْخَلِيقَةَ بِطِيبِ الْمَنْزِلَةِ وَحُسْنِ الدَّرَجَةِ عِنْدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَعِنْدَ اللَّهِ فِي الآخِرَةِ
قُلْتُ الْمَنْقُولُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي فَضْلِ الْعَقْلِ كَثِيرٌ إِلا أَنَّهُ بَعِيدُ الثُّبُوتِ فَلْنَقْتَصِرْ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ مِنْهُ
قَالَ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ الْحَافِظُ لَسْتُ أَحْفَظُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَبَرًا صَحِيحًا فِي الْعَقْلِ لأَنَّ أَبَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ وَسَلَمَةَ بْنَ وَرْدَانَ وَعُمَيْرَ بْنَ عِمْرَانَ

1 / 7

وَعَلِيَّ بْنَ زَيْدٍ وَالْحَسَنَ بْنَ دِينَارٍ وَعَبَّادَ بْنَ كَثِيرٍ وَمَيْسَرَةَ بْنَ عَبْدِ رَبِّهِ وَدَاوُدَ بْنَ الْمُحَبَّرِ وَمَنْصُورَ بْنَ صُقَيْرٍ وَذَوِيهِمْ لَيْسُوا مِمَّنْ أَحْتَجُّ بِأَخْبَارِهِمْ فَأُخَرِّجَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الأَحَادِيثِ فِي الْعَقْلِ
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَيْسَ الْعَاقِلُ مَنْ يَعْرِفُ الْخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَعْرِفُ خَيْرَ الشَّرَّيْنِ
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْمَاطِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ قَالَ لَهُ أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ فَقَالَ وَعِزَّتِي مَا خَلَقْتُ خَلْقًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْكَ فَبِكَ أُعْطِي وَبِكَ آخُذُ وَبِكَ أُعَاقِبُ
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ الصَّوَّافِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ يَثَّغِرُ الْغُلامُ لِسَبْعِ سِنِينٍ وَيَحْتَلِمُ لأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَيَنْتَهِي طُولُهُ لإِحْدَى وَعِشْرِينَ وَيَنْتَهِي عَقْلُهُ إِلَى ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ تَجَارِبٌ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ جَعَلَ اللَّهَ لَهُ عَقْلا
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْحَمَّامِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَرِمِيسِينِيُّ قَالَ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَائِشَةَ قَالَ وُلِدَ لِكِسْرَى مَوْلُودٌ فَأَمَرَ فَجِيءَ بِبَعْضِ أَهْلِ الأَدَبِ وَجِيءَ بِالْمَوْلُودِ فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ كِسْرَى مَا خَيْرُ مَا أُوتِيَ هَذَا الْمَوْلُودُ قَالَ عَقْلٌ يُولَدُ مَعَهُ قَالَ فَإِنْ عَدِمَهُ قَالَ أَدَبٌ حَسَنٌ يَعِيشُ بِهِ بَيْنَ النَّاسِ قَالَ فَإِنْ عَدِمَ ذَلِكَ قَالَ صَاعِقَةٌ تُحْرِقُهُ

1 / 8

وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ إِلَى الأَرْضِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ بِثَلاثَةِ أَشْيَاءَ الدِّينِ وَالْعَقْلِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ يُخَيِّرُكَ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ فَقَالَ يَا جِبْرِيلُ مَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ مِنْ هَؤُلاءِ إِلا فِي الْجَنَّةِ فَمَدَّ يَدَهُ إِلَى الْعَقْلِ فَضَمَّهُ إِلَى نَفْسِهِ فَقَالَ لِذَيْنِكَ اصْعَدَا قَالا لَا نَفْعَلُ قَالَ أَتَعْصِيَانِي قَالا لَا نَعْصِيكَ وَلَكِنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَكُونَ مَعَ الْعَقْلِ حَيْثُمَا كَانَ
فَصَارَتِ الثَّلاثَةُ إِلَى آدَمَ
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ إِنِّي وَجَدْتُ فِي بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ أَنَّ الشَّيْطَانَ لَمْ يُكَابِدْ شَيْئًا أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنَ مُؤْمِنٍ عَاقِلٍ وَأَنَّهُ يُكَابِدُ مِائَةَ جَاهِلٍ فَيَسْتَجِرُّهُمْ حَتَّى يَرْكَبَ رِقَابَهُمْ فَيَنْقَادُونَ لَهُ حَيْثُ شَاءَ وَيُكَابِدُ الْمُؤْمِنَ الْعَاقِلَ فَيَصْعُبُ عَلَيْهِ حَتَّى مَا يَنَالُ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ حَاجَتِهِ
قَالَ وَهْبٌ وَلَإِزَالَةُ الْجَبَلِ صَخْرَةً صَخْرَةً وَحَجَرًا حَجَرًا أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ مُكَابَدَةِ الْمُؤْمِنِ الْعَاقِلِ فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ تَحَوَّلَ إِلَى الْجَاهِلِ فَيَسْتَأْسِرُهُ وَيَسْتَمْكِنُ مِنْ قِيَادِهِ حَتَّى يُسْلِمَهُ إِلَى الْفَضَائِحِ الَّتِي يَتَعَجَّلُ بِهَا فِي الدُّنْيَا الْجَلْدِ وَالْحَلْقِ وَتَسْخِيمِ الْوَجْهِ وَالْقَطْعِ وَالرَّجْمِ وَالصَّلْبِ وَإِنَّ الرَّجُلَيْنِ يَسْتَوِيَانِ فِي أَعْمَالِ الْبِرِّ وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ أَوْ أَبْعَدُ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْقَلَ مِنَ الآخَرِ وَمَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ الْعَقْلِ
وَقَالَ مَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ لَوْ أَنَّ الْعَاقِلَ أَمْسَى وَأَصْبَحَ وَلَهُ ذُنُوبٌ بِعَدَدِ الرَّمْلِ كَانَ وَشِيكًا بِالنَّجَاةِ وَالسَّلامَةِ وَالتَّخَلُّصِ مِنْهَا وَلَوْ أَنَّ الْجَاهِلَ أَمْسَى وَأَصْبَحَ وَلَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَأَعْمَالِ الْبِرِّ عَدَدُ الرَّمْلِ لَكَانَ وَشِيكًا أَلَّا يَسْلَمَ لَهُ مِنْهَا مِثْقَالُ ذَرَّةٍ قِيلَ وَكَيْفَ ذَلِكَ قَالَ لأَنَّ الْعَاقِلَ إِذَا زَلَّ تَدَارَكَ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ وَالْعَقْلِ الَّذِي قُسِمَ لَهُ وَالْجَاهِلَ إِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلِهِ الَّذِي يَبْنِي وَيَهْدِمُ فَيَأْتِيهِ مِنْ جَهْلِهِ مَا يُفْسِدُ صَالِحَ عَمَلِهِ
وَقَالَ الْحَسَنُ مَا يَتِمُّ دِينُ الرَّجُلِ حَتَّى يَتِمَّ عَقْلُهُ وَمَا أودع الله امْرَءًا عَقْلا إِلا اسْتَنْقَذَهُ بِهِ يَوْمًا

1 / 9

وَقِيلَ لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ مَا أَفْضَلُ مَا أُعْطِيَ الإِنْسَانُ قَالَ الْعَقْلُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى
وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ إِنَّ الْقَوْمَ لَيَحُجُّونَ وَيَعْتَمِرُونَ وَيُجَاهِدُونَ وَيُصَلُّونَ يوصومون وَمَا يُعْطَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلا عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَقِّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْبَجَلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْفَيَّاضِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو طَلْحَةَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خُبَيْقٍ قَالَ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ قَالَ الْعَقْلُ سِرَاجُ مَا بَطَنَ وَمِلاكُ مَا عَلَنَ وَسَائِسُ الْجَسَدِ وَزِينَةُ كُلِّ أَحَدٍ وَلا تَصْلُحُ الْحَيَاةُ إِلا بِهِ وَلا تَدُورُ الأُمُورُ إِلا عَلَيْهِ
وَسُئِلَ ابْنُ الْمُبَارَكِ مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الرَّجُلُ قَالَ غَرِيزَةُ عَقْلٍ قِيلَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَالَ أَدَبٌ حَسَنٌ قِيلَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَالَ أَخٌ صَالِحٌ يَسْتَشِيرُهُ قِيلَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَالَ صَمْتٌ طَوِيلٌ قِيلَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَالَ مَوْتٌ عَاجِلٌ
ذِكْرُ فَضِيلَةِ الْعَقْلِ مِنْ جِهَةِ الاسْتِنْبَاطِ
إِنَّمَا تَتَبَيَّنُ فَضِيلَةُ الشَّيْءِ بِثَمْرَتِهِ وَفَائِدَتِهِ وَقَدْ عَرَفْتُ ثَمْرَةَ الْعَقْلِ وَفَائِدَتَهُ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَى الإِلَهِ وَأَمَرَ بِطَاعَتِهِ وَامْتِثَالِ أَمْرِهِ وَثَبَتَ مُعْجِزَاتِ الرُّسُلِ وَأَمْرَ بِطَاعَتِهِمْ وَتَلَمَّحَ الْعَوَاقِبَ فَاعْتَبَرَهَا فَرَاقَبَهَا وَعَمِلَ بِمُقْتَضَى مَصَالِحِهَا وَقَاوَمَ الْهَوَى فَرَدَّ غُرَبَهُ وَأَدْرَكَ الأُمُورَ الْغَامِضَةَ وَدَبَّرَ عَلَى اسْتِخْدَامِ الْمَخْلُوقَاتِ فَاسْتَخْدَمَهَا وَحَثَّ عَلَى الْفَضَائِلِ وَنَهَى عَنِ الرَّذَائِلِ وَشَدَّ أَسْرَ الْحَزْمِ وَقَوَّى أَزْرَ الْعَزْمِ وَاسْتَجْلَبَ مَا يَزِينُ وَنَفَى مَا يَشِينُ فَإِذَا تُرِكَ وَسُلْطَانَهُ أَسَرَ فُضُولَ الْهَوَى فَحَصَرَهَا فِي حَبْسِ الْمَنْعِ وَكَفَى بِهَذِهِ الأَوْصَافِ فَضِيلَةً

1 / 10