46

Jini da Adalci

الدم والعدالة: قصة الطبيب الباريسي الذي سطر تاريخ نقل الدم في القرن السابع عشر

Nau'ikan

وفي بادوفا، تعرف هارفي طبيب عصر النهضة أندرياس فيزاليوس أحد أول من شككوا فيما لا يقبل الشك. درس فيزاليوس - بلجيكي الأصل - الطب في باريس، حيث بدأ في إجراء تشريح الجثث بعناية. ويقال إن أهم ما فعله كان نزوله عن كرسي التدريس والعمل بيديه؛ فحين بدأ دراساته كان المحاضرون يميلون للجلوس عن بعد يقرءون التعليمات من كتاب دراسي، ويلوحون بعصا طويلة في الاتجاه العام الذي توجد فيه الخصائص موضع الاهتمام في الجسم، بينما يجري من هم أقل شأنا عملية التشريح الكريهة. ففي عصر كانت المظاهر فيه هي كل شيء، قليلون من ذوي العلم والوقار كانوا على استعداد لتلويث أيديهم، أو الاقتراب من جثة متعفنة تفوح منها الروائح الكريهة. علاوة على ذلك، كان لا يزال هناك ذلك الإرث الفكري الإغريقي الذي يرى أن أهل الفكر لا ينبغي لهم أن يقوموا بالعمل اليدوي، الذي كان ينبغي أن يترك للطبقة الأدنى من الفنيين والعمال.

وكان تعثره هذا هو السبب ذاته الذي أتاح له فرصة إلقاء نظرة جديدة أكثر تدقيقا على الأفكار القديمة. وحاول قدر جهده أن يجد أي مسام في حجرات القلب، لكن كل محاولاته باءت بالفشل. ولاحظ الأخاديد التي تحدث عنها جالينوس في الجدار الفاصل بين شقي القلب، لكنه لم يتمكن من إنفاذ الدم - أو أي سائل آخر - من ناحية إلى أخرى. وقال:

لم أكن لأجرؤ على أن أحيد قيد أنملة عن رأي جالينوس حتى وقت قريب. لكن الجدار الحاجز سميك ومكتنز وقوي كسائر القلب؛ لذا فإني لا أرى كيف يمكن حتى لأصغر جسيم أن ينفذ عبره من البطين الأيمن إلى الأيسر.

1

هنالك ظهرت مشكلة؛ إذا لم يكن لتلك المسام وجود، فستنهار نظرية جالينوس. ولتفادي ذلك، أخذ معظم الأطباء يفترضون أن الدم يمكنه أن يذوب عبر هذا الجدار الصلب، رغم أن التجارب أظهرت عكس ذلك عندما كان أحد شقي القلب ممتلئا بالدم وتعرض للضغط. ومن ثم، اعتقد فيزاليوس ضرورة وجود حل آخر للمشكلة، لكنه توفي قبل 60 عاما من حلها. لكنه ألف بالتعاون مع مساعده جوهان ستيفان فون كالكار كتاب «تركيب جسم الإنسان»، وهو كتاب مليء بالرسوم المعقدة التي تبين الأوعية الدموية في الجسم بالتفصيل - وقد مثل جزءا مهما من تعليم هارفي.

ورغم أن هذا بدأ ينخر في أسس معتقدات جالينوس، ظلت توجد أسئلة كثيرة بلا إجابة. فكل الأدلة مثلا أشارت إلى أنه يوجد نوعان من الدم؛ إذ كان الدم الأزرق الداكن يجري في الأوعية ذات الجدر الرقيقة - الأوردة - بينما يجري الدم الأحمر القاني في الشرايين ذات الجدر السميكة. ونحن نعرف الآن أن جدر الشرايين السميكة تتيح لها نقل الضغط الانقباضي عبر الجسم، لكن هذا مبني على معرفتنا بعمل القلب باعتباره مضخة. لكن جالينوس ظن أن المرحلة النشطة من عمل القلب كانت عند انبساطه؛ إذ اعتقد أن هذا الانبساط كان يعمل على سحب الدم إلى القلب. ثم يسحب باقي الجسم بدوره الدم إليه لإشباع احتياجات الأعضاء المختلفة. ويشبه هذا المفهوم رؤية الحبر يتسرب عبر منديل جاف، حيث تمتص الأجزاء الجافة الحبر.

من السهل القول إن قطع أي وعاء دموي ومشاهدة الدم ينساب أو يندفع إلى الخارج دليل كاف على أن الدم يجري داخل الجسم. لكن، بينما لم يكن ثمة اختلاف بين فلاسفة عصر النهضة وكل من سبقوهم من المفكرين حول انسياب الدم إلى الخارج، كانت مدرسة عصر النهضة ترى أن ذلك دليل على أن الجهاز الدوري ممتلئ، ومن ثم فإنه مضغوط. فانسياب الدم خارج الجسم في حد ذاته لم يكن دليلا على أن الدم يجري في دورة داخل الجسم؛ فعلى كل حال يمكن تحقيق نتيجة مشابهة عند إحداث ثقب في جدار أنبوب ينقل الماء من مكان لآخر.

وربما لفتت المحاضرات والمناقشات التي كانت تدور حول موائد العشاء انتباه هارفي إلى شخص آخر أيضا هو ميجيل سيرفيت، رغم أن القليلين الذين عرفوه كانوا يخفضون أصواتهم بعض الشيء عند نطق اسمه. كان ذلك الطبيب الإسباني قد وصف تشريح القلب وأشار إلى الأوعية الدموية الأربعة التي تخرج منه. كما أصاب في إشارته إلى أن عضلات القلب ترتخي مع امتلائه بالدم وتنقبض مع خروجه منه. وكان هذا وحده اكتشافا ثوريا.

كما أجرى سيرفيت تجارب أولية لقياس تدفق الدم وتوصل إلى استنتاج آخر هو أن كمية الدم التي تجري في الرئتين كانت أكبر بكثير مما تحتاجانه لتشبعان حاجتهما الغذائية. والأدهى أنه اعتقد أن الدم يعود مرة أخرى من الرئتين للقلب، لكن في حين أنه دون ذلك في صورة رسم توضيحي في نص لاهوتي، ليس هناك دليل على أنه أدرك دلالة اكتشافاته.

شكل 2-1: غلاف كتاب «تركيب الجسم البشري» (أندرياس فيزاليوس). نسخت بتصريح من قسم المقتنيات الخاصة بمكتبة لين الطبية، جامعة ستانفورد.

Shafi da ba'a sani ba