Gindin Huffaz

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

Editsa

محمد باسل عيون السود

Mai Buga Littafi

دار الكتب العلمية

Bugun

الأولى

Shekarar Bugawa

١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م

Yankuna
Misira
•
Daurowa & Zamanai
Mamlukawa
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُّ للهِ المتفضِّلِ بإنزالِ القرآنِ هدىً للناسِ، وبيِّناتٍ من الهُدى والفُرقان. أنزلَه بأفصحِ لسانٍ، وأوضحِ بيانٍ، وأَسْطَعِ بُرهانٍ، وأقومِ تبيانٍ، وأبلغ حُجَّةٍ، وأبْينِ مَحجَّةٍ. ذا حِكَمٍ بالغةٍ وحُججٍ لامعة. أخبارُه لا تَتعارضُ، وأحكامُه لا تَتَناقضُ، وفوائدُه لا تُعدُّ، وفضائلُه لا تُحدُّ. وجواهرُ بحارهِ لا تُحصَى، ودُرَرُ معانيهِ لا تُستقصَى. عَجزتِ الفُصحاءُ عن معارضتهِ، ونَكصت الألبَّاءُ عن مُناقضتهِ. وكيف لا يكونُ كذلك وهو كلامُ ربِّ العالمين، المنزَّلُ به الروحُ الأمينُ، على قلبِ سيدِ المرسلين، وأفضلِ الأولين والآخرين؛ محمدٍ خاتمِ النبيّين. أرسلَه بآياتهِ، وأيَّدَه بمعجزاتهِ، والكُفرُ قد طَمتْ بحارُه، وزخرَ تيَّارُه. وعُبدتِ الأوثانُ، وأُطيعَ الشيطانُ. فلم يزلْ ﷺ يجاهدُ في اللهِ حقَّ جهاده، ويَدعو إِليه الثَّقَلين من عباده. ويدأبُ في إِيضاحِ السُّبل، ويصبرُ صبرَ أولي العزم من الرسُل، إلى أن أنجزَ اللهُ وعدَه، فعُبد وحدَه، وهزم الشيطانَ وجندَه، وفلَّ شَباتَه وحدَّه، صلى الله عليه، وعلى آلهِ الأطهارِ، وصحابتهِ الأخيارِ، ما تعاقَبَ الليلُ والنهارُ، وسلَّم، وشرَّف، وكرَّم.
أما بعدُ، فإِنَّ علومَ القرآنِ جمَّةٌ، ومعرفتَها مؤكَّدةٌ مهمَّةٌ. ومن جُملتِها المحتاجُ إِليها، والمعوَّلُ في فهمهِ عليها، مدلولاتُ ألفاظهِ الشريفةِ، ومعرفةُ معانيهِ اللطيفة؛ إِذ بذلك يُترقَّى إِلى معرفةِ أحكامهِ، وبَيانِ حلالِه وحرامِه، ومناصي أقوالِه، وإِشارة مواعظهِ وأمثالهِ.
فإنَّه نزلَ بأشرفِ لغةٍ؛ لغة العرب المحتويةِ على كلِّ فنٍّ من العجب.

1 / 37

وقد وضعَ أهلُ العلمِ، رحمهم اللهُ تعالى، في ذلك تصانيفَ حسنةُ، وتآليفَ مُجرَّدةً مُتْقنةً، كـ «غريبِ» الإمام الحَبْر الرّبانيِّ أبي عبيدٍ أحمدَ بنِ الهَرويّ، وكـ «غريبِ» محمدِ بنِ بكر بنِ عُزَيزٍ السِّجستانيّ، وكـ «مفرداتِ الألفاظِ» لأبي القاسم، الراغب الأصبهانيّ. غير أنَّهم لم يُتمُّوا المقصود من ذلك لاختصارِ عباراتِهم، وإيجازِ إِشاراتهم.
على أن الراغبَ، ﵀ قد وسَّعَ مجالَه، وبَسطَ مقالَه بالنسبةِ إِلى مَن تقدَّمَه، وحَذا بهذا الحَذوِ رسمه. غيرَ أنَّه، رحمه اللهُ تعالى، قد أغفلَ في كتابِه ألفاظًا كثيرةً، لم يتكلّمْ عليها، ولا أشارَ في تصنيفِهِ إليها، مع شدَّةِ الحاجة إلى معرفتها، وشرح مَعناها ولُغتِها، مع ذكرِه لبعضِ مواد لم تَردْ في القرآنِ الكريم، أو وَردتْ في قراءةٍ شاذَّةٍ جدًا، كمادَّةِ (ب ظ ر) في قوله تعالى: (واللهُ أخرجَكُم مِن بُظورِ أمَّهاتِكم) [النحل: ٧٨]، وهذه لا يَنْبغي أن يُقرأ بها البتَّةَ.
فممَّا تركَه، معَ الاحتياجِ الكليِّ إِليه، مادةُ (ز ب ن) وهي في قولهِ تعالى: ﴿سَندْعُ الزَّبانيةَ﴾ [العلق: ١٨]. ومادةِ (غ وط) وهي في قوله تعالى: ﴿مِنَ الغائطِ﴾ [المادة: ٦] ومادةِ (ق ر ش) وهي في قولهِ تعالى: ﴿لإيلافِ قريشٍ﴾ [قريش: ١]. ومادة (ك ل ح) وهي في قولهِ تعالى: ﴿كالِحُون﴾ [المؤمنون: ١٠٤]. ومادةِ (هـ ل ع) وهي في قولهِ تعالى: ﴿هلوعًا﴾ [المعارج: ١٩]. ومادة (ل ج أ) وهي في قوله تعالى: ﴿لو يجدونَ مَلجَأً﴾ [التوبة: ٥٧]. ومادةِ (س ر د ق) وهي في قولهِ تعالى: ﴿أحاطَ بِهم سُرادِقُها﴾ [الكهف: ٢٩]. ومادةِ (ح ص ب) وهي في قولهِ تعالى: ﴿حَصَبُ جَهنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، ﴿حاصبًا﴾ [الإسراء: ٦٨]. ومادةِ (م ر ت) وهي في قولهِ تعالى: ﴿وماروت﴾ [البقرة: ١٠٢]. ومادةِ (س ف ح) وهي في قوله

1 / 38

تعالى: ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]. ومادةِ (ن ض خ) وهي في قولهِ تعالى: ﴿عينانِ نضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٦]. ومادةِ (ق د و) وهي مذكورةٌ في قولهِ تعالى: ﴿مُقتدون﴾ [الزخرف: ٢٣]، ﴿فَبِهُداهُم اقْتدِه﴾ [الأنعام: ٩٠]. إِلى غير ذلك ممَّا لستُ بصددِهِ الآنَ.
ولم أورِدْ ذلك -عَلِمَ اللهُ- غضًّا منهُ، ولا استقصارًا له؛ فإِنَّ القرآن العظيمَ مُعجِزُ كلِّ بَليغٍ. وإِنما قصدتُ التَّنبيه على ذلكَ، ومعرفةَ ما هنالك.
فلما رأيتُ الأمرَ على ما وُصفَ، والحالَ كما عُرف، ورأيتُ بعضَ المفسِّرين قد يفسِّرُ اللفظةَ بما جُعلتْ كنايةً عنهُ، كقولِهم في قولهِ تعالى: ﴿والشجرةَ الملعونةَ﴾ [الإسراء: ١٧]. هي أبو جهلٍ. أو بغايتها وقُصارَى أمرِها، وكقولهم في قوله تعالى: ﴿والباقياتُ الصالحاتُ﴾ [الكهف: ٤٦] هي كلماتُ: سبحانَ اللهِ، والحمد لله، ولا إِلهَ إَلا اللهُ، إلى غير ذلك مما ليستْ موضوعةً له لغةً. استخرتُ اللهَ القويَّ، الذي ما نَدمَ مُستخيرُهُ، واستجرْتٌ اللهَ بكرمهِ، الذي ما خابَ مستجيرُه، في أن أحذُوا حذْوَ القومِ ليتُمَّ عليَّ بركتَهم، وأُلحقَ بالحشرِ في زُمرتِهم. فأذكرُ المادةَ -كما ستَعرفُ ترتِيبَهُ- مفسِّرًا معناها. وإن عثرتُ على شاهدٍ من نظمٍ أو نثرٍ أتيتُ له تكميلًا للفائدة. وإِن كان في تصريفها بعضُ غموض أوضحته بعبارةٍ سهلة إِن شاءَ الله. وإِن ذكرَ أهلُ التفسيرِ اللفظة وفسَّروها بغيرِ موضوعِها اللغويِّ، كما قدَّمتُه، تعرَّضتُ إليهِ أيضًا، لأنه والحالةُ هذهِ محطُّ الفائدة.
ورتَّبتُ هذا الموضوعَ على حروفِ المعجمِ بترتيبها الموجودة هي عليهِ الآنَ. فأذكرُ الحرفَ الذي هو أولُ الكلمةِ، معَ ما بعدَه من حروفِ المعجم، إِلى أن ينتهي ذلك الحرف مع ما بعده، وهلمّ جرّا إِلى أن تنتهي، إِن شاءَ الله تعالى، حروف المعجم جميعُها.
ولا أعتمدُ إِلا على أصولِ الكلمةِ دونَ زوائدِها؛ فلو صُدِّرتْ بحرفٍ زائدٍ لم أعتبرْهُ، بل أعتبرُ ما بعدَه من الأصولِ مثلَ: «أنعمتَ» تطالُه من بابِ النونِ لا مِن باب الهمزةِ.

1 / 39

ومثل: «نعبدُ» و«نَستعينُ» يُطلبانِ من بابِ العَينِ لا من بابِ النون. ومثل: «مُكرمٍ» يُطلبُ من بابِ الكافِ لا مِن بابِ الميم. وكذلك لو عَرضَ في المادةِ حذفُ أوَّلها فإِنَّني أعتمدُهُ دونَ ما بعدَه مثل: «يعدُهم» يُطلب من بابِ الواوِ لأنه من الوعدِ، لا منَ العينِ. وكذلك لو عَرضَ فيهِ البدلُ، فإِنني أعتبرُ أصلَه مثل: «إِيمان» من بابِ الهمزةِ لا من بابِ الياءِ، لأنَّها فيه عارضةٌ، إِذ أصلُه «إِإِمان» كما ستعرفُه لمن شدّ. . . (١) من علمٍ أسموهُ إِعرابًا وتصريفًا، فهو الذي. . . (٢)
وأما مَن عداهُ فلا ينتفعُ منهُ إلا بمجردِ تفسيرِ لفظٍ نحو مَعرفتهِ أنَّ «الأبَّ» هو المرعَى و«الزَّبانية» هم الأَعوانُ، إِلى نظائرِ ذلك. وإذا كان الحرفُ مُفردًا، وقد جاءَ لمعنى، كهمزةِ الاستفهامِ، وباءِ الجر ولامهِ، أبدأُ بهِ ثم أذكرُهُ مع غيرِه، إلى آخر الحروفِ كما قدَّمتهُ نحوَ: «أب، أبدًا».
وسميتهُ بـ عمدةِ الحفاظِ في تفسيرِ أشرفِ الألفاظ. وعلى اللهِ الكريمِ أعتمدُ، وإليهِ أفوِّضُ أمري وأستندُ. فإِنه نعمَ المولى، ربُّ الآخرة والأُولى.

(١) كلمة غير واضحة في الأصل.
(٢) فراغ في الأصل.

1 / 40

باب الهمزة المفردة
ويطلق عليها الألف
فالألف تارةً تكونُ عبارةً عن الحرفِ الذي هو همزةٌ، وتارةً عن حرفِ المدِّ واللِّينِ، وذلك كوسطِ «قال» ولا غرضَ لنا فيها لأنها لا يُبتدَأُ بها. وإِنما صُورتِ الهمزةُ ألفًا في الخطِّ لأنها لا تقومُ بنفسها لإبدالها واوًا في الضمِّ وألفًا في الفتح وياءً في الكسر، نحو: مُومن، وراس، وبِير. وبعضُهم يصورُه صورةَ عَينٍ صغيرةٍ، نحو «ء»، إِذا عُلم ذلك.
فالهمزةُ تكون للاستفهامِ ولها أخواتٌ، وهي أمُّ الباب. ولذلك تنفردُ بأحكامٍ بيَّنتُها في مواضعِها. ومعناها فيه لطلبِ التصديق نحو: أزيدٌ قائمٌ؟ أو التصوُّرِ نحو: أدبسٌ في الإناءِ أم عسلٌ؟ وقد يقعُ الاستفهامُ بها إنكارًا وتَعريضًا وتَوبيخًا نحو: ﴿أأنتُم أنشأتُم شَجرتَها﴾؟ [الواقعة: ٧٢]. وقولِ عامرٍ: «أغُدَّةٌ كغدَّةِ البعيرِ وموتًا في بيتِ سَلوليَّةٍ».
وقوله: [من الطويل].
١ - أفي السِّلمِ أعيارًا جَفاءً وغِلظةً ... وفي الحربِ أمثالَ النساءِ العوارك
وبعضُهم يقولُ: الهمزةُ للاستخبارِ، ليعمَّ الاستفهامُ والإنكارُ والتَّبكيتُ والنفيُ والتسويةُ، نحو: ﴿أجَزعْنا أم صبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١]. وإذا دَخلتْ على نفيٍ قرَّرتْه كقوله

1 / 41

تعالى: ﴿أليسَ اللهُ بكافٍ عبدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]. قال الراغبُ: «وهذه الألفُ متى دخلتْ على الإثباتِ تجعلُه نَفيًا. وإذا دخلتْ على النفس تجعلُه إثباتًا، لأنه يصيرُ معه نَفيًا يحصلُ منه إِثباتٌ».
- وتكونُ الهمزةُ للنداءِ لكنْ للقريبِ خاصةً، ومنه عندَ بعضِهم: ﴿أمَّنْ هوَ قانتٌ﴾ [الزمر: ٩]، ولها أخواتٌ.
- وتكون للمضارَعةٍ، وتدلُّ على المتكلم وحدَه نحو: ﴿أسمعُ وأَرَى﴾ [طه: ٤٦].
- وتكونُ للتَّعديةِ نحو: ﴿كما أَخْرَجَك ربُّكَ﴾ [الأنفال: ٥]. فيصيرُ المفعولُ معها فاعلًا.
- وتكونُ ألفَ قطعٍ وألفَ وصلٍ، والفرقُ بينهما أنَّ ألفَ القطعِ تَثبتُ ابتداءً ودَرْجًا نحو: ﴿أَنزِلْ علينا مائدةً﴾ [المائدة: ١١٤]. والأخرى تَثبتُ ابتداءً لا دَرْجًا نحو: ﴿ابْنِ لي عندَكَ بيتًا﴾ [التحريم: ١١].
- ثم إنَّ ألفَ الوصل تدخلُ على الحرفِ والاسمِ والفعلِ، فتدخلُ على حرفٍ واحدٍ، وهو اللامُ للتعريفِ على رأيِ سيبويه. وتتصلُ من الأسماء بعشرةٍ: اسمٍ، واسْتٍ، وابنٍ، وابنةٍ، وابنمٍ، وامرئٍ، وامرأةٍ، واثنين، واثنتينِ، وأيمنٍ، وبكلِّ مصدرٍ لفعلٍ زائدٍ على ثلاثةِ أحرفٍ صُدِّرَ بهمزةٍ نحو: الانطلاق، والاستخراج، وهي في جميعِ ذلك مكسورةٌ، إلا معَ اللامِ وأيمن. ومُتصلٍ من الأفعالِ بكلِّ أمرٍ من ثلاثيٍّ سُكنتْ فاؤهُ بعدَ حرفِ

1 / 42

المضارعةِ، نحو: اقبَلْ، واضرِبْ، واشْرَبْ. فإن ضُمَّ ثالثُه ضمةً لازمةً ضُمتْ. وإن فُتح أو كُسرَ كسرةً لازمةً كُسرتْ، نحو: اغزي يا هندُ، وارمُوا يا زيدون، وبكلِّ ماضٍ زائدٍ على أربعةِ أحرفٍ صُدرَ بهمزةٍ، نحو: انطلقَ واقتدرَ. ولا تكونُ فيه إلا مكسورةً.
وما عدا هذه الأنواعِ فلا تكونُ الهمزةُ فيه إلا همزة قطعٍ.
وقد تُقطعُ ألفُ الوصلِ كقوله: [من الطويل]
٢ - إذا جاوزَ الإثنينِ سِرٌّ فإنَّهُ ... بِنَثٍّ وتكثيرِ الوُشاةِ قَمِينُ
وتوصلُ ألفُ القطع كقولهِ: [من الكامل]
٣ - إِنْ لم أقاتلْ فالسويُّ تَرفَّعا
فصل الألف مع الباء
أب ب:
الأبُّ من قوله تعالى: ﴿وفاكهةً وأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] هو المرعَى مُطلقًا. وقالَ شَمِرٌ: مَرعى السَّوائمِ. وأنشدَ: [من المتقارب]
٤ - فأَنْزلْتَ ماءً منَ المُعْصراتِ ... فَأَنْبَتَّ أَبًّا وغُلْبَ الشجَرْ
وقيلَ: هو للبهائم بمنزلة الفاكهةِ للناسِ. هو المرعَى المتهيِّئِ للرعيِ والجزِّ، من: أبَّ لكذا أي تَهيَّأ، أبًّا وأبابةً وأبابًا، وأبَّ إِلى وطنِه أي نَزعَ إِليه وتَهيَّأ لقصدِه. قال الأعشَى: [من الطويل]

1 / 43

٥ - أخٌ قد طوَى كَشْحًا وأبَّ ليذْهَبا
وأبَّ لسيفهِ: تَهيَّأ ليبتَدِرَهُ. وإِبّانُ الشيءِ: زَمنُه المُنْتهي لفِعلهِ، فهو فِعْلانُ منه. وقيلَ: هو التِّبنُ خاصةً، قاله الضحاكُ وأنشدَ [من المتقارب]
٦ - فما لهمُ مرتعٌ للسَّوا ... مِ والأبُّ عندهمُ يُعذَرُ
ويُروى عن ابنِ عباسٍ: وقيلَ: كلُّ نباتٍ على وجهِ الأرض. ومنه قولُ ابنِ عبّاسٍ: «الأبُّ: ما تُنبتُ الأرضُ ممّا تأكلُ الناسُ والأنعامُ». وعلى هذا فيكونُ مِن ذكرِ العام بعدَ الخاص. وقالَ الكلبيُّ: هو كلُّ نباتٍ سوى الفاكهةِ. وقيلَ: الفاكهةُ رَطبُ الثمارِ، والأبُّ يابسها، وقيلَ: ما نأكلُه حَصيدًا، وما تأكلُه البهائمُ أبٌّ. وأنشَد قولَ الشاعرِ يمدحُ سيدَنا رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: [من الطويل]
٧ - لهُ دعوةٌ ميمونةٌ رنَّحها الصَّبا ... بها يُنبتُ اللهُ الحصيدةَ والأبّا
وقيلَ: إِنَّما سُمي أبًّا لأنه يَؤُبُّ.
وعن أبي بكرٍ الصديقِ، ﵁، وقد سُئلَ عن تفسيرِ الأبِّ فقال: «أيُّ سماءٍ تُظلُّني، وأيُّ أرضٍ تُقلُّني، إِذا قلتُ في كتاب اللهِ ما لا أعلمُ؟». وعن عمرَ ﵁ حين تلاها قال: «كلُّ هذا عرفناهُ، فما الأبُّ؟». ثم رَفع عصًا كانت بيده فقال: «هذا لعَمْرُ اللهِ التكلُّفُ، وما عليكَ يا بنَ أمِّ عمرَ أما تعرفُ ما الأبُّ». ثم قالَ: «ما تَبيَّنَ لكم من هذا الكتاب فاتَّبعوهُ، وما لا فدَعوهُ». يعني ﵁ في ما لا يتعلقُ به حكمٌ أو فائدةٌ جليلةٌ. فإنا قد عرَّفْنا الأبَّ: نبتٌ في الجملة. فقالَ عمرُ ﵁: «لا يضرُّ الجهل بمعرفتهِ على التعيين، وهو كما قال ﵁. وهذا بخلاف الكَلالةِ

1 / 44

ونحوِها لتعلُّقِ الأحكامِ بها.
«والأبُّ: لغةٌ في الأبِ الوالدِ. قيل: أبدلوا من الواوِ المحذوفة حَرفًا يجانسُ العينَ. ومن ذلك قولُهم: استأبَبْتُ فلانًا أي اتَّخذتُه أبًا» ومثلُه: أخٌ بتشديدِ الخاءِ.
أب ت:
لم يَرِدْ منه إلا نحو: ﴿يا أَبَتِ﴾ [مريم: ٤٢]. والتاءُ ليستْ بأصلٍ، وإِنما هي عِوضٌ عن ياءِ المتكلِم، والأصلُ: يا أبي. وكذلك: يا أمَّتِ، والأصلُ: يا أمي. ولم تُعوَّضِ التاءُ عن ياءِ المتكلم، إلا في هاتينِ اللفظتين في النداءِ خاصةً. فلو قلتُ: جاءني أَبَتِ وأُمَّتِ لم يجُزْ. فذكري لهذه اللفظةِ من بابِ التجوُّز؛ وإلا فالتاءُ ليست من أصولها في شيءٍ، ولكن لم أجدْ موضعًا أنسبَ لذكرها من هذا.
ويجوزُ فيها الحركات الثلاثُ. وقد قُرئَ بالكسرِ والفتحِ في السبع. وإثباتُ الألفِ معها شاذٌّ أو ضرورةٌ، نحو قولِه: [من الرجز]
٨ - يا أبتا علَّك أو عساكا
ومعَ الياءِ ممتنعٌ في المشهورِ، خلافًا للهَرويِّ، وهي تاءُ تأنيثٍ، ولذلك تُبدلُ في الوقفِ هاءً على اختلافٍ بينَ القراءِ في ذلك، كما أوضحناهُ في «العقد النَّضيد».

1 / 45

والفرّاءُ: «الهاءُ فيها رُخصةٌ، فكثرتْ في الكلام حتى صارتْ كهاءِ التأنيثِ، وأدخَلوا عليها الإضافةَ».
أب د:
الأبدُ: الزمنُ الطويلُ الممتدُّ غيرُ المنجزئِ، فهو أخصُّ منَ الزمانِ. قالوا: ولذلك يقال: زمانُ كذا، ولا يقالُ: أبدُ كذا. ويقالُ: أبَدٌ آبِدٌ وأبيدٌ على المبالغةِ أي دائمٌ؛ قال تعالى: ﴿خالدين فيها أَبدًا﴾ [النساء: ٥٧]. أي زمانًا لا انقضاءَ لآخرهِ. قال النابغةُ الذبيانيُّ: [من البسيط]
٩ - أقْوَتْ وطالَ عليها سالفُ الأبدِ
«وحقُّه ألاّ يُثنَّى ولا يُجمَع لاستغراقهِ الأزمنةَ كلَّها. على أنه قيلَ: آبادٌ، كأنهم قصدوا به أنواعًا كما يقصدُ باسمِ الجنسِ ذلك. وقيلَ: إنَّ آبادَ مُولَّدٌ ليس من لغةِ العرب» ومن معنى الأبدِ قالوا للوحشِ أوابدِ جمع أُبَّدٍ لبقائها دهرًا طويلًا. وتأبّدَ الشيءُ: بقيَ دهرًا طويلًا. وتأبَّدتِ الدارُ: خَلتْ. وذلك أنها لخلوِّها وطولِ بقائها تحلّها الأوابدُ الوحشياتُ. فجعلَ ذلك كناية من خلوِّها. «وتأبَّد البعيرُ: توحَّشَ فصارَ كالأوابدِ»، ومنه الحديثُ: «إنَّ لهذه البهائمِ أوابدَ كأوابدِ الوحشِ». يقال: أبَدَتِ الوحوشُ تأبُدُ، وتأبِدُ، واستُعيرَ من ذلك: الآبدُة، وهي الكلمةُ أو الخَصلةُ التي يُنفَر منها ويُستوحشُ، فيقولون: جاءَ فلانٌ بآبدةٍ، ومن ذلك قولُهم أيضًا: تأبَّد وجهُ فلانٍ، أي توحَّش فصار يُنفَرُ منه، ومعناهُ: أَبَدَ. وقيلَ: أَبِدَ بمعنى غضِبَ، لأن الغضبَ يلازمُه ذلك غالبًا.

1 / 46