Cilal Nahw
علل النحو
Editsa
محمود جاسم محمد الدرويش
Mai Buga Littafi
مكتبة الرشد
Bugun
الأولى
Shekarar Bugawa
١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩م
Inda aka buga
الرياض / السعودية
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)
وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا.
قَالَ أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عبد الله الْوراق، ﵀، وَغفر لَهُ:
إِن قَالَ قَائِل: من أَيْن علمْتُم أَن الْكَلَام يَنْقَسِم ثَلَاثَة أَقسَام؟
قيل: لِأَن الْمعَانِي الَّتِي يحْتَاج إِلَيْهَا الْكَلَام ثَلَاثَة، وَذَلِكَ أَن من الْكَلَام مَا يكون خَبرا ويخبر عَنهُ، فَسمى النحويون هَذَا النَّوْع اسْما.
وَمن الْكَلَام مَا لَا يكون خَبرا وَلَا يخبر عَنهُ، فَسمى النحويون هَذَا النَّوْع فعلا.
وَمن الْكَلَام مَا لَا يكون خَبرا وَلَا يخبر عَنهُ، فَسمى النحويون هَذَا النَّوْع حرفا.
وَلَيْسَ هَاهُنَا معنى يتَوَهَّم سوى هَذِه الْأَقْسَام الثَّلَاثَة، فَلهَذَا لَا إِشْكَال فِيمَا عدا هَذِه الْأَقْسَام، إِذْ لَا معنى يتَوَهَّم سواهَا.
وَوجه آخر: أَن الْمعَانِي قد أحطنا بِعلم جَمِيعهَا، والألفاظ يحْتَاج إِلَيْهَا من أجل الْمعَانِي، فَإِذا كَانَ كل معنى لَا يُمكن أَن يعبر عَنهُ إِلَّا بِأحد هَذِه الْأَقْسَام الثَّلَاثَة، دلّ ذَلِك على أَن جَمِيع الْأَقْسَام ثَلَاثَة.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم خصصتم الْقسم الأول بتلقيبه بِالِاسْمِ، وَالثَّانِي بِالْفِعْلِ، وَالثَّالِث بالحرف؟
فَالْجَوَاب فِي ذَلِك من وَجْهَيْن:
1 / 137
أَحدهمَا: أَن غَرَض النَّحْوِيين بِهَذَا التلقيب الْفَصْل بَين هَذِه الْأَقْسَام، إِذْ كَانَت مَعَانِيهَا مُخْتَلفَة، فَإِذا كَانَ الْقَصْد باللقب إِلَى الْفَصْل، فَلَيْسَ لأحد أَن يَقُول: لم لقبتم هَذَا الْقسم بِهَذَا اللقب دون غَيره؟ إِذْ لَا لقب يلقب بِهِ إِلَّا وَيُمكن أَن يعْتَرض بِهَذَا السُّؤَال، وَقد وَجب بِحَالَة أَن يخص بلقب، فَإِذا وَجب الشَّيْء لم يجب الإعتراض عَلَيْهِ.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَنه يُمكن أَن يَجْعَل لكل لقب معنى من أَجله لقب بِهِ.
وَالْوَجْه فِي تلقيب مَا صَحَّ أَن يكون خَبرا ويخبر عَنهُ ب (الِاسْم)، لِأَن الِاسْم مُشْتَقّ من سما يسمو، أَي: ارْتَفع، فَلَمَّا كَانَ هَذَا لَهُ مزية على النَّوْعَيْنِ الآخرين، من أجل أَنه شَارك النَّوْع الَّذِي يكون خَبرا فِي هَذَا الْمَعْنى، ويفضله فِي أَن الْخَبَر يَصح عَنهُ، وَجب أَن يلقب بِمَا يُنبئ عَن هَذِه المزية، فلقب بِالِاسْمِ، ليدل بذلك على علوه وارتفاعه على النَّوْعَيْنِ الآخرين.
وَأما النَّوْع الثَّانِي فلقب ب (الْفِعْل)، وَذَلِكَ أَن قَوْلك: ضرب، يدل على الضَّرْب وَالزَّمَان، وَالضَّرْب هُوَ فعل فِي الْحَقِيقَة، فَلَمَّا كَانَ (ضرب) يدل عَلَيْهِ لقب بِمَا دلّ عَلَيْهِ.
فَإِن قيل: فَلم صَار تلقيبه بِالْفِعْلِ الدَّال عَلَيْهِ دون الزَّمَان، وَهُوَ أَيْضا دَال عَلَيْهِ؟
قيل: لِأَنَّهُ مُشْتَقّ من لفظ الْمصدر، وَلَيْسَ مشتقا من لفظ الزَّمَان، فَلَمَّا اجْتمع فِيهِ الدّلَالَة على الْمصدر واشتقاق اللَّفْظ كَانَ أخص بِهِ من الزَّمَان، لوُجُود لَفظه فِيهِ.
1 / 138
فَإِن قيل: فَلم اشتق الْفِعْل من الْمصدر دون الزَّمَان؟
قيل: لِأَن الزَّمَان دَائِم الْوُجُود، والمصادر أَفعَال تَنْقَضِي، وَإِنَّمَا الْغَرَض فِي اشتقاق الْفِعْل من أَحدهمَا ليدل عَلَيْهِمَا، فَلَمَّا كَانَت الْأَفْعَال منقضية، وَالزَّمَان مَوْجُودا، وَجب أَن يَقع الِاشْتِقَاق من المصادر، ليدل لفظ (٢ / أ) الْفِعْل عَلَيْهِمَا من غير تذكار، وَلم يحْتَج فِي الزَّمَان إِلَى ذَلِك لوُجُوده، فَلهَذَا وَجب الِاشْتِقَاق من الْمصدر دون الزَّمَان.
وَوجه آخر: أَن أَسمَاء الْأَزْمِنَة قَليلَة، وَأَسْمَاء الْأَنْفس كَثِيرَة، فَلَو اشتق من الزَّمَان لفظ الْفِعْل ضَاقَ الْكَلَام، وَلم يكن فِيهِ مَعَ ذَلِك دلَالَة على الْمصدر، فاشتق من لفظ الْأَفْعَال الْمصدر، لِأَنَّهَا لَا تُفَارِقهُ، وَإِن لم يكن لَهَا اسْم يحصرها.
وَأما تَسْمِيَة النَّوْع الثَّالِث بالحرف فِي اللُّغَة، فموضوع لطرف الشَّيْء، وَكَانَ هَذَا النَّوْع إِنَّمَا يَقع طرفا للاسم وَالْفِعْل مَعًا، خص بِهَذَا اللقب، لِقَوْلِك: أَزِيد ترى فِي الدَّار؟ فالألف إِنَّمَا دخلت للاستفهام عَن كَون زيد، وَلم تدخل هِيَ لِمَعْنى يختصها، وَهِي فِي اللَّفْظ طرف مَعَ ذَلِك، فاعرفه.
وَاعْلَم أَن للاسم حدا وخواص، فحده: كل مَا دلّ على معنى مُفْرد تَحْتَهُ، غير مقترن بِزَمَان مُحَصل فَهُوَ اسْم، كَقَوْلِه: رجل، وَفرس، وَمَا أشبه ذَلِك، أَلا ترى أَن هَذِه اللَّفْظَة دَالَّة على شخص مُجَرّد من شَيْء سواهُ!
1 / 139
وَأما الْخَواص: فجواز دُخُول الْألف وَاللَّام عَلَيْهِ، والتنوين، وحرف من حُرُوف الْجَرّ، ووقوعه فَاعِلا ومفعولا، وَالْإِضَافَة، والإضمار وَمَا أشبه ذَلِك، وَأَن يحسن مَعَه ضرّ ونفع.
وَبَعض النَّحْوِيين لَا يَجْعَل عَلامَة الِاسْم جَوَاز دُخُول هَذِه الْأَشْيَاء، فِرَارًا من أَن تلزمهم مُعَارضَة، لقَولهم: (أَتَت النَّاقة على مضربها)، أَي على الزَّمَان الَّذِي يضْربهَا فِيهِ الْفَحْل، وَذَلِكَ أَنه يَقُول: إِن المضرب قد دلّ على زمَان وَضرب، وَهُوَ مَعَ ذَلِك اسْم، وَهَذَا ينْقض حد الِاسْم.
فَالْجَوَاب عَن هَذَا السُّؤَال أَن يُقَال: إِن المضرب وضع لدلَالَة على زمَان فَقَط، وَإِن كُنَّا نفهم مَعَ ذَلِك الضَّرْب، لاشتقاق اللَّفْظ من الضَّرْب، وَإِذا كَانَ الْمَفْهُوم من دلَالَة وضع الِاسْم معنى وَاحِدًا، فقد سلم لفظ الْحَد. وَنَظِير مَا ذكرنَا أَن الْأَفْعَال إِنَّمَا وضعت للدلالة على الزَّمَان، وَإِن كُنَّا نفهم أَن الْفَاعِل مِنْهَا يحْتَاج إِلَى مَكَان، إِلَّا أَن ذَلِك نفهمه بِالتَّأَمُّلِ دون اللَّفْظ، فَكَذَلِك (المضرب) يجْرِي فِي هَذَا المجرى، يدل على صِحَة ذَلِك أَن الْعَرَب إِذا أَرَادَت الدّلَالَة على الْمصدر فَقَط قَالَت: (المضرب)، ففتحوا الرَّاء، فَلَو كَانَ (المضرب) يدل على الْمصدر، لم يَحْتَاجُونَ إِلَى بِنَاء آخر؟
فَإِن قيل: فَمَا قَوْلكُم فِي (ضَارب) وَمَا أشبهه من أَسمَاء الفاعلين؟
1 / 140
قيل: دَالَّة على الْفَاعِل للضرب من جِهَة اللَّفْظ، وَإِنَّمَا يفهم معنى الزَّمَان فِيهَا بِالنِّيَّةِ. وَجَاز ذَلِك لِأَن اسْم الْفَاعِل مُشْتَقّ من الْفِعْل، فَجَاز أَن ينوى بِهِ الزَّمَان، لاشتقاقه من لفظ يدل على الزَّمَان.
فَإِن قيل: أَلَيْسَ (كَانَ وَأَخَوَاتهَا) تدل على الزَّمَان فَقَط، فَهَلا جعلت اسْما، لدلالتها على معنى مُفْرد، كدلالة (يَوْم وَلَيْلَة) وَمَا أشبههما؟
قيل: إِنَّهَا وَإِن كَانَت تدل على الزَّمَان فَقَط، فقد صرفت تصريف الْأَفْعَال، وَمَعَ ذَلِك فالغرض فِي ذكرهَا الْعبارَة عَن الْمعَانِي الَّتِي تقع فِي خبر المبتدإ، فَصَارَت كَأَنَّهَا دَالَّة على ذَلِك الْمَعْنى وَالزَّمَان جَمِيعًا. أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: كَانَ زيد قَائِما، دللت ب (كَانَ) على قيام فِي زمَان مَاض، فَلذَلِك وَجب أَن تجْعَل أفعالا.
وَأما الْفِعْل: فحده أَن يُقَال: (٢ / ب) كل كلمة تدل على معنى وزمان مُحَصل فَهُوَ فعل، كَقَوْلِك: ضرب، وَانْطَلق، يدل على انطلاق فِي زمَان.
وَله أَيْضا خَواص، فَمن خواصه التَّصَرُّف، نَحْو: ضرب يضْرب، وَذهب يذهب، وَمَا أشبهه. وَمِنْه صِحَة الْأَمر، نَحْو: اضْرِب، واقتل، وَمَا أشبهه.
1 / 141
وَأما الْحَرْف: فحده: مَا دلّ على معنى فِي غَيره، نَحْو قَوْلك: أخذت درهما من مَال زيد، ف (من) تدخل للتَّبْعِيض لِلْمَالِ، وَالْبَعْض هُوَ الدِّرْهَم من المَال. وَإِن شِئْت اعتبرته بامتناع حد الِاسْم وَالْفِعْل مِنْهُ، أَو بامتناع خواصهما مِنْهُ.
وَأما إِدْخَال الْهَاء فِي الْعَرَبيَّة، فَلِأَن المُرَاد بِالْعَرَبِيَّةِ اللُّغَة الْعَرَبيَّة، واللغة مُؤَنّثَة، فَدخلت الْهَاء على هَذَا المُرَاد.
وَإِنَّمَا قسمت الْعَرَبيَّة على أَرْبَعَة أضْرب، لِأَن أصل الْإِعْرَاب هُوَ الْإِبَانَة، وَالْإِعْرَاب إِنَّمَا يدْخل فِي الْكَلَام للإبانة عَن الْمعَانِي، فكأنا أردنَا أَن نقسم الْعَرَبيَّة من حَيْثُ كَانَت مَبْنِيَّة عَلَيْهِ، لَا من وُجُوه تصاريفها، وَإِذا كَانَ كَذَلِك فالإعراب إِنَّمَا هُوَ بحركة وَسُكُون، وَالْحَرَكَة إِمَّا أَن تكون ضمة أَو فَتْحة أَو كسرة، لَا يُمكن أَن تُوجد حَرَكَة مُخَالفَة لهَذِهِ الثَّلَاثَة، والسكون الرَّابِع، فَلهَذَا انقسمت أَرْبَعَة أَقسَام.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم صَار الرّفْع وَالنّصب يدخلَانِ على الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال، واختص الْجَرّ بالأسماء، والجزم بالأفعال؟
قيل: لِأَن أصل الْإِعْرَاب إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَسْمَاء دون الْأَفْعَال، وَالدّلَالَة على ذَلِك أَن الْأَسْمَاء لَو لم تعرب لأشكل مَعْنَاهَا، أَلا ترى أَنَّك لَو قلت: مَا أحسن
1 / 142
زيد. لَكُنْت ذاما لَهُ. وَلَو قلت: مَا احسن زيد؟ لَكُنْت مستفهما عَن أَبْعَاضه أَيهَا أحسن. وَلَو قلت: مَا أحسن زيدا! لَكُنْت مُتَعَجِّبا.
فَلَو أسقط الْإِعْرَاب فِي هَذِه الْوُجُوه، لاختلطت هَذِه الْمعَانِي، فَوَجَبَ أَن تعرب الْأَسْمَاء ليزول الْإِشْكَال.
وَأما الْأَفْعَال فَإِنَّهَا لَو لم تعرب لم يشكل مَعْنَاهَا، لِأَنَّهَا بنيت لأزمنة مَخْصُوصَة، فإعرابها أَو تَركهَا لَا يخل بمعناها، وَالْإِعْرَاب زِيَادَة، وَمن شَرط الْحَكِيم أَلا يزِيد لغير فَائِدَة، فَكَانَ حق الْأَفْعَال كلهَا أَن تكون سواكن، إِلَّا أَن الْفِعْل الَّذِي فِي أَوله الزَّوَائِد الْأَرْبَع أشبه الِاسْم من أَربع جِهَات:
أَحدهَا: أَن يكون صفة كَمَا يكون الِاسْم، كَقَوْلِك: مَرَرْت بِرَجُل يضْرب، كَمَا تَقول: مَرَرْت بِرَجُل ضَارب.
وَالثَّانِي: أَنه يصلح لزمانين، أَحدهمَا الْحَال، وَالْآخر الِاسْتِقْبَال، ثمَّ تدخل (السِّين وسوف) فتبينه إِلَى الِاسْتِقْبَال، كَمَا أَن قَوْلك: ضَارب، لَا يدل على شخص بِعَيْنِه، كَمَا اخْتصَّ الْفِعْل بِزَمَان بِعَيْنِه.
وَالثَّالِث: أَن اللَّام الَّتِي تدخل فِي خبر (إِن) تدخل على الِاسْم، وعَلى هَذَا الْفِعْل، كَقَوْلِك: إِن زيدا لقائم، وَإِن زيدا ليقوم، ويقبح دُخُولهَا على
1 / 143
الْمَاضِي، نَحْو: إِن زيدا لقام. فَلَمَّا شرك الْفِعْل الْمُضَارع الِاسْم فِي حسن دُخُول اللَّام عَلَيْهِ، علمنَا أَن بَينهمَا مشابهة.
وَإِنَّمَا قبح دُخُول اللَّام على الْمَاضِي، لِأَن هَذِه اللَّام أصل دُخُولهَا على المبتدإ، ونقلت عَن موضعهَا لدُخُول (إِن) عَلَيْهَا، وَحقّ خبر الْمُبْتَدَأ أَن يكون هُوَ الْمُبْتَدَأ فِي الْمَعْنى، فَلَمَّا كَانَ الْفِعْل الْمُضَارع مشبها للاسم حسن دُخُول اللَّام عَلَيْهِ، وَلما بعد الْمَاضِي من شبه الِاسْم، قبح دُخُولهَا عَلَيْهِ.
وَالرَّابِع: أَن قَوْلك: ضَارب، يصلح لزمانين، وَكَذَلِكَ: يضْرب، يصلح لزمانين. وَإِنَّمَا صَارَت هَذِه (٣ / أ) المشابهة لَهَا تَأْثِير، لِأَن الِاسْم الْوَاحِد قد يَقع لمسميات كَثِيرَة، فَلَمَّا وَقع الْمُضَارع لزمانين، صَار كالاسم الْوَاقِع لمسميين، فَلذَلِك صَار هَذَا الْوَجْه معتدا بِهِ فِي شبهه للاسم، وَلم يجز أَن يعْتد بِكَوْن (ضرب) دَالا على الزَّمَان الْمَاضِي، فَيجْعَل الْمَاضِي مشبها لَهُ فِي هَذِه الْوُجُوه، لِأَن دلَالَة الْفِعْل على معنى وَاحِد لَا يُوجب شبها بالأسماء، لِأَن الاتساع إِنَّمَا وَقع فِي الْأَسْمَاء، لكَون الِاسْم الْوَاحِد لمسميات، لضيق الْأَسْمَاء، وَكَثْرَة المسمين بهَا، فَمَا أشبههَا من هَذَا الْوَجْه يجْرِي مجْراهَا، وَمَا دلّ على معنى وَاحِد فَهُوَ على أَصله، فَلَمَّا أشبه الْفِعْل الْمُضَارع الِاسْم من هَذِه الْجِهَات، وَجب أَن يحمل على الِاسْم فِيمَا يسْتَحقّهُ الِاسْم، وَهُوَ الْإِعْرَاب.
وَإِنَّمَا حمل على الِاسْم فِي الْإِعْرَاب دون مَا يسْتَحقّهُ الِاسْم من الْجمع
1 / 144
والتصغير، وَغير ذَلِك مِمَّا يخْتَص بالأسماء دون الْأَفْعَال، لِأَن الْإِعْرَاب لَا يُغير معنى الْفِعْل بِدُخُولِهِ عَلَيْهِ، وَصَارَ مَا ذكرته يُوجب تَغْيِير معنى الْفِعْل وإخراجه إِلَى أَن يكون اسْما، إِذْ كَانَت الْمعَانِي الَّتِي اخْتصَّ بهَا الِاسْم مِمَّا لَا يَصح دُخُولهَا على الْفِعْل، وَإِنَّمَا اخْتصَّ بهَا من حَيْثُ كَانَ اسْما، فَلذَلِك وَجب أَن يحمل الْفِعْل على الِاسْم من أجل مَا أشبهه فِي حكم لَا يُغير مَعْنَاهُ، ويلحقه بِمَعْنى الْأَسْمَاء، وَهُوَ الْإِعْرَاب، إِلَّا أَن الْجَزْم لم يجز دُخُوله على الِاسْم، لِأَنَّهُ لَو دخل عَلَيْهِ لأوجب حذف شَيْئَيْنِ، وهما: التَّنْوِين وَالْحَرَكَة، وَالِاسْم فِي نِهَايَة الخفة، فَكَانَ ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى الإجحاف بِهِ، فَسقط الْجَزْم من الْأَسْمَاء، وَأدْخل فِي الْأَفْعَال، إِذْ كَانَ الْفِعْل ثقيلا يحْتَمل الْحَذف وَالتَّخْفِيف، فاستقر الْجَزْم للْفِعْل لما ذكرنَا.
وَبَقِي من الْإِعْرَاب ثَلَاثَة أضْرب، وَهُوَ: الرّفْع وَالنّصب والجر، فالجر امْتنع من الْفِعْل، لِأَن الْجَرّ إِنَّمَا يكون بِالْإِضَافَة، وَالْفضل بِالْإِضَافَة تَخْصِيص الْمُضَاف، وَالْفِعْل لَو أضفت إِلَيْهِ لم تخص مَا قبله، أَلا ترى أَنَّك لَو قلت: هَذَا غُلَام، لَكِن مُبْهما، فَإِذا قلت: غُلَام زيد، اخْتصَّ بِملك زيد، فَلَو قلت: جَاءَنِي غُلَام يقوم، لم يخْتَص الْغُلَام بإضافته إِلَى (يقوم) لِأَن الْقيام يكون من زيد، وَمن عَمْرو، وَسَائِر النَّاس، فَلهَذَا أسقط الْجَرّ من الْفِعْل.
وَوجه آخر: وَهُوَ أَن الْمَجْرُور يقوم مقَام التَّنْوِين، وَالْفِعْل لَا يَخْلُو من
1 / 145
فَاعل، فَكَانَ يُؤَدِّي إِلَى أَن يقوم مقَام التَّنْوِين - وَهُوَ وَجه وَاحِد ضَعِيف - شَيْئَانِ قويان، وهما الْفِعْل وَالْفَاعِل، فَسقط الْجَرّ من الْفِعْل، وَجعل فِي الِاسْم، إِذْ كَانَ محلا للإعراب.
وَبَقِي من الْإِعْرَاب الرّفْع وَالنّصب، وَلم يعرض فِيهَا مَا يُوجب اختصاصهما أَو أَحدهمَا بِالْفِعْلِ وَالِاسْم، فَوَجَبَ أَن يدخلا عَلَيْهِمَا.
وَجَازَت إِضَافَة أَسمَاء الزَّمَان إِلَى الْأَفْعَال لِأَنَّهَا تُضَاف إِلَى المصادر، وَالْفِعْل يدل على مصدره، كَقَوْلِك: (من كذب كَانَ شرا لَهُ)، أَي: كَانَ الْكَذِب شرا لَهُ، فَلَمَّا جَازَ أَن نقُول: أعجبني يَوْم خُرُوجك. جَازَ أَن تَقول: أعجبني يَوْم تخرج.
وَوجه آخر: أَن الْفِعْل يدل على مصدر وزمان، وَالزَّمَان جُزْء من الْفِعْل، فَلَمَّا جَازَت إِضَافَة الْبَعْض إِلَى الْكل (٣ / ب) جَازَت إِضَافَة الزَّمَان إِلَى الْفِعْل، كَمَا يجوز أَن تَقول: (ثوب خَز) .
وَقَالَ الْأَخْفَش فِي ذَلِك: إِن جَمِيع ظروف الزَّمَان يتَعَدَّى الْفِعْل إِلَيْهَا بِغَيْر
1 / 146