هنا انشغل يونس بالبحث عن بقايا زاد أبي زيد من تمر ولبن ولحم القديد المجفف، الذي لا يخلو منه جرابه، ملتهما في نهم إلى أن عاود الاقتراب منه ومواجهته بالسؤال: أنت تحبها؟
أخفض أبو زيد عينيه مبتعدا وهو في أقصى حالات انفعالاته التي يعرفها عنه يونس: أجل يا يونس يا بني.
وساد صمت طويل بينهما لم يقطعه سوى صهيل فرقة الفرسان المصاحبة ليونس الرابضة على أبواب قلعة يثرب المهجورة بانتظارهما.
ولم يتمكن أبو زيد الهلالي من إقناع يونس بتركه والعودة إلى نجد، وإبلاغ السلطان والجميع بعدم العثور عليه - أي على أبي زيد - بعد أن أخبره يونس بغضب السلطان حسن والجميع لتغيبه، وخاصة حاكم العراق الخفاجا عامر، وأيضا دياب بن غانم صديق صباه ومدى صعوبة المأزق والحرج اللذين اعتريا الجميع في نجد. - الجميع يسألون عنك، قف.
هنا لم يجد أبو زيد بدا من العودة.
وخلال الطريق أطلع أبو زيد يونس على ما يعانيه، ولم يكن يخفي عنه خافية، برغم صغر سنه فإنه كان يصطفيه ويصطحبه عبر رحلاته ومغامراته، بل إن أبا زيد هو الذي دربه بنفسه على الفروسية منذ مطلع شبابه، وما تستلزمه من معرفة عميقة موثقة بالكثير من الأمور والعلوم، ما بين إلمام كبير بجغرافية البلدان وطبائع القبائل والأقوام ولهجاتها ولغاتها واختلاف الألسن والطبائع ووصف المسالك من أرضية جبلية لصحراوية وبحرية وأقصرها توصلا للغاية.
كما كان دائم الحديث معه خاصة عن تاريخ عرب نجد والجزيرة الهلاليين، وحروبهم وفتوحاتهم وغزواتهم من مشرق الأرض إلى مغربها.
إلى أن وصل الحديث بينهما إلى أحد الفتوحات الهامة التي أوكل والده السلطان حسن قيادتها إليه، أي إلى أبي زيد، وشملت شبه القارة الهندية وآسيا الصغرى. وكان في مثل سنه - 25 عاما - منجرف الحماس والتوقد، كل مبتغاه هو الإعلاء من شأن الهلاليين دون انتكاسة واحدة تودي بحياة الآلاف المؤلفة من محاربي الهلالية، فيصبح مضغة في أفواه نسائهن قبل الرجال.
وأصغى يونس بكل حواسه إلى أبي زيد مقاربا وهما يقطعان السهول والوديان عائدين إلى نجد مندهشا إلى أقصى حد.
فلقد كان يظن - قبل هذه الرحلة - أنه على دراية بما وهن من تفاصيل ودقائق، خاله أبي زيد وحياته، لكنه بدا في عينيه هذه المرة مختلفا وكأنه يصطحبه ويراه ويستطلعه لأول مرة. - ما الخبر؟
Shafi da ba'a sani ba