في خلال تلك الأحداث العاصفة داهمت زوجتي العزيزة ليئة آلام المخاض، وبعد أن وضعت طفلة تعرضت لنزيف شديد، وغطت صدمة وفاتها على كل مظاهر الفرحة بميلاد طفلتي الأولى؛ فلم أتمالك قواي كي أكتب خطابا إلا الآن بعد مرور أسبوعين على الأحداث التي ذكرتها. أعلم أن تصور سيناريوهات مغايرة لما حدث لا تفيد على الإطلاق، ولكنني لا أملك إلا أن أتساءل ماذا كان سيحدث لو حضر الولادة طبيب المدينة د. هوسيك، الذي كان مشغولا بالعناية بالجرحى؟ فقد حضرت ولادة إلينورا بدلا منه قابلتان تتاريتان أرسلتهما العناية الإلهية إلى باب منزلنا فور أن بدأت آلام المخاض تداهم ليئة.
أخبرتاني بأن ما جذبهما إلى منزلي نبوءة قديمة أنبأت بها مجموعة من العلامات؛ طيور وحلقة من الجياد وطور القمر، شيء من هذا القبيل. علي أن أعترف بأنني لا أفهم طبيعة تلك العلامات، ولست أثق بها كثيرا. ولكنني أعلم أن هاتين المرأتين، وإحداهما حاملة الرسالة، قد قدمتا لي مساعدة قيمة، ولست أدري ماذا كنت سأفعل من دونهما؛ فقد وافقتا على البقاء معي ومساعدتي في إدارة شئون المنزل حتى موعد رحيلهما إلى إسطنبول. وكما ذكرت في برقيتي التي أرسلتها منذ أسبوع، فسوف تبحث كلتاهما عن عمل عند وصولهما إلى إسطنبول، وأوصي بتعيينهما في إدارة شئون أي منزل تراه مناسبا.
أما الآن وقد شارف هذا الخطاب على النهاية، أود أن أطلب طلبا صغيرا خاصا بي. فلما كانت ابنتي قد أتت إلى العالم يتيمة الأم ولا تملك عائلة ممتدة، أشعر بالحاجة لإجراء ترتيبات رسمية في حال حدوث أي مكروه لي. فكما أوضحت لك من قبل، فإنني أعتبرك من أشرف الرجال الذين أعرفهم وأكثرهم استقامة وثباتا على المبادئ، وأتشرف بترك ابنتي في رعايتك لو حدث لي أي مكروه. أرجو أن تدرس ذلك الطلب بمنأى عن الظروف التي وصلك فيها، وآمل أن نلتقي قريبا في ظروف أفضل.
وحتى ذلك الحين سوف أظل
صديقك المخلص
يعقوب كوهين
عندما انتهت إلينورا من قراءة الخطاب، طوته كما كان ووضعته في المظروف. أعادت ربط ثوبها المنزلي، ونظرت إلى الرماد المتبقي من نيران الليلة الماضية. يبدو أن والدها لم يكن يثق كثيرا بعلامات السيدة داماكان، وهي تثق بوالدها أكثر من أي شخص في العالم. ولكن ها هي في الصفحة؛ النبوءة، الجياد والطيور، مصير مكتوب سلفا، قدر عتيق لا تعلم طبيعته. كانت لديها أسئلة كثيرة عن نفسها وعن والدها والسرب الذي يتبعها والسيدة داماكان والبك ومولدها والقابلتين والنبوءة، ولم لم يخبرها أحد بذلك من قبل. كادت تنسى أمر الخطاب الثاني الذي كان موجها أيضا إلى منصف باركوس بك ومختوما بتاريخ منتصف فبراير، وكان أقصر كثيرا من الخطاب السابق. أخرجت الورقة من المظروف وقرأت سريعا.
منصف باركوس بك
أشكرك على التعازي القلبية المخلصة لوفاة زوجي العزيز يعقوب، وأنا أتقبلها وأقدرها بشدة، فقد أخبرني كثيرا كم يحبك ويحترمك باعتبارك صديقا، وذكر لي أيضا ذات مرة أنه قد طلب منك تولي مسئولية إلينورا وحمايتها في حال وقوع أي مكروه له. ورغم أنني كما قلت خالتها وزوجة أبيها، فإنني أطلب التخلي عن تلك المسئولية التي أكد لي يعقوب أنك قبلت تحملها بصدر رحب؛ فلست في موقف يسمح الآن بالعناية بطفلة صغيرة. وأما عن الشئون المالية التي أشرت إليها في برقيتك السابقة، فيمكنك أن تستفيد من أي أموال قد جناها يعقوب أثناء إقامته في إسطنبول، وسوف أتدبر أموري بطرق أخرى.
وأشكر لك تفهمك في هذا الوقت العصيب.
Shafi da ba'a sani ba