قال وهو يلقي نظرة على اللوحة التي تعلو المائدة المجاورة له: «لم أستطع النوم.»
طوت إلينورا ساقيها تحت ثوبها المنزلي. «وأنا أيضا.»
وفي فترة الصمت التي تلت ذلك، أخرج البك نظارته من جيب معطفه الداخلي وبحث عن منديل، ولكنه لم يجد، فمسح نظارته في طرف قميصه، ثم أمسك بخطابين في أعلى الكومة المجاورة له ومد يده إليها بهما، فأخذتهما منه.
قال: «كنت أرغب في أن أنتظر حتى تكبرين قليلا، ولكن الوقت قد حان.»
همست قائلة: «أشكرك، رغم أنني لا أدري ما الأمر.»
قال وهو يأخذ بقية الكومة: «سوف أتركك مع خواطرك.» ثم غادر الغرفة.
كان الخطاب العلوي هو نفس الخطاب الذي وجدته منذ بضعة أشهر في مكتب الكولونيل. كان مغطى ببصمات الأصابع والتراب، ولم يكن يحمل طابع بريد أو ختما أو عنوان مرسل، بل فقط الكلمات «منصف باركوس بك، حاملته إليك السيدة داماكان» على مقدمة الخطاب. رفعته إلينورا إلى أنفها واستنشقت الرائحة. كان ورقه مصفرا عند الحواف ومطويا على هيئة مربع، وأمسكت به بين راحتيها الصغيرتين المرتعشتين. وكان الحبر قد بدأ يميل للون البني، لكنها استطاعت قراءته بسهولة في ضوء الصباح.
عزيزي منصف بك
آمل أن يصلك هذا الخطاب وأنت في سعادة وتتمتع بصحة جيدة، رغم أنه علي أن أعترف أن الشكوك تساورني بشأن ما إذا كان هذا الخطاب سيصل إليك. لست أشك إطلاقا في أمانة السيدة التي بعثت معها بتلك الرسالة، ولا في رغبتها الحارة في توصيلها، بل إنني في حقيقة الأمر أكتب بناء على إلحاحها. ولكن إذا كان لامرأة أن تقطع تلك المسافة الشاسعة وحيدة في غمار المعركة، فلا يسع المرء مع رسول كهذا إلا أن يكون له بعض التحفظات. ولكنني رغم ذلك فإنني على يقين من أنه لا يوجد خيار آخر؛ فأسلاك التلغراف ما زالت معطلة، والخدمة البريدية قد توقفت.
كما تعلم، فقد سقطت كونستانتسا منذ حوالي أسبوعين على يد سلاح الفرسان الملكي التابع للقيصر، وفي أثناء ذلك رأيت أهوالا لم أتخيلها من قبل؛ السلب والنهب والحرق والتخريب المتعمد للممتلكات والاغتصاب الوحشي المتكرر لنساء مدينتنا. لا وقت كي أصف تلك الأحداث، رغم أنها قد حفرت في ذاكرتي للأبد. أعتقد أنه يكفي القول إن الحديث عن سمعة جنود القوزاق ليس مبالغة على الإطلاق، فهم يتسمون بالفظاظة والغلظة والعنف والقسوة والسكر. وللأسف فإن القوات العثمانية ليست أفضل حالا، فقد هرب هؤلاء المئات من الجبناء المتمركزين في كونستانتسا في الليلة السابقة للهجوم تاركين المدينة بلا دفاع. ولكنني لن أعطلك بتلك التفاصيل، فلا شك أنك قد سمعت العديد من الروايات المشابهة، وليس لدي سوى مساحة محدودة كي أوضح لك أمرا غاية في الأهمية. سوف أدخل في الموضوع مباشرة.
Shafi da ba'a sani ba