Carais Bayan
عرائس البيان في حقائق القرآن
وأيضا قال أما قوله : ( فأردت ) كان شفقة على الخلق ، وقوله : ( فأردنا ) رحمة ، وقوله : ( فأراد ربك ) رجوعا إلى الحقيقة.
وقال الحسين في قوله : ( فأردت ) وأردنا ربك المقام الأول استيلاء الحق ، والمقام والثاني مكالمة مع العبد ، والمقام الثالث رجوع إلى باطن الغلبة في الظاهر ، فصار به باطن الباطن ظاهر الظاهر ، وغيب الغيب عيان العيان وعيان العيان غيب الغيب ، كما أن القرب من الشيء بالنفوس هو البعد فالقرب منها بما هو القرب.
قصة ذي القرنين مشهورة ، وكان روميا قريب العهد والطبيعي أن ذا القرنين في هذا الوجود هو القلب الذي ملك قرينه أي : خافقيه شرقها وغربها ( إنا مكنا له ) في الأرض البدن بالأقدار والتمكين على جميع الأموال من المعاني الكلية والجزئية ، والسير إلى أي قطر شاء من الشرق والمغرب ( وآتيناه من كل شيء سببا ) إرادة من الكمالات.
( سببا ) أي : طريقا بتوصل به إليه ( فأتبع ) طريقا بالتعلق البدني وتوجه إلى العالم السفلي.
( حتى إذا بلغ مغرب الشمس ) أي : مكان غروب شمس الروح ( وجدها تغرب في عين حمئة ) أي : مختلطة بالحمئة وهي المادة البدنية الممتزجة من الأجسام الفاسقة ، كقوله : ( من نطفة أمشاج ) [الإنسان : 2]
( ووجد عندها قوما ) هم القوى النفسانية البدنية والروحانية ( قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ) بالرياضة والقهر والإماتة ( وإما أن تتخذ فيهم حسنا ) بالتعديل وإيفاء أحظ ( قال أما من ظلم ) بالإفراد وعدم الاستسلام والانقياد كالشهوة والغضب والوهم والتخيل ( فسوف نعذبه ) بالرياضة
( ثم يرد إلى ربه ) في القيامة الصغرى ( فيعذبه ) بالإلقاء في نار الطبيعة ( عذابا نكرا ) أي : منكرا أشد من عذابي ، وفي القيامة الكبرى فيعذبه عذاب القهر والإفناء ( وأما من آمن ) بالعلم والمعرفة كالعاقلتين ، والفكر والحواس الظاهرة ( وعمل صالحا ) بالسعي في اكتساب الفضائل والانقياد والطاعة ( فله جزاء الحسنى ) المثوبة ( الحسنى ) من جنة الصفات ، وتجليات أنوارها وأنهار علومها ( وسنقول له من أمرنا يسرا ) أي : قولا ذا يسر بحصول الملكات الفاضلة ( ثم أتبع ) طريقا هي طريق الترقي والسلوك إلى الله بالتجرد والتزكي.
Shafi 441