Carais Bayan
عرائس البيان في حقائق القرآن
وهذا معنى قوله : ( وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا )، ( قال ستجدني إن شاء الله صابرا ) القوة استعدادي وثباتي على الطلب ( ولا أعصي لك أمرا ) لتوجهي نحوك وقبولي أمرك ؛ لصفائي وصدق إرادتي والمقاولات كلها بلسان الحال
( فإن اتبعتني ) في سلوك طريق الكمال ( فلا تسئلني عن شيء حتى ) أي : عليك بالاقتداء والمتابعة في السير بالأعمال والرياضات والأخلاق والمجاهدات ، ولا تطلب الحقائق والمعاني ( حتى ) يأتي وقته ( أحدث لك منه ذكرا ) أي : من ذلك العلم ( ذكرا ) في الغيبية عند تجردك بالمعاملات القلبية والقلبية ( فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها ) في سفينة البدن البالغ إلى حد الرياضة الصالح للعبودية إلى العالم القدسي في بحر الهيولي للسر إلى الله ( خرقها ) أي : نقضها بالرياضة ، وتقليل الطعام ، وأضعف أحكامها ، وأوقع الخلل في نظامها وأوهنها ( قال أخرقتها لتغرق أهلها ) أي : أكسرتها ؛ لتغرق القوى الحيوانية والنباتية التي هم القوى البدنية واستطعامهما منهم هو طلب الغذاء الروحاني منهم أي : بواسطتهم كانتزاع المعاني الكلية من مدركاتها الجزئية ، وإنما أبوا أن يضيفوهما ، وأن أطعموهما قبل ذلك ؛ لأن غذاءهما حينئذ كان من فوقهم من الأنوار القدسية والتجليات الجمالية والجلالية والمعارف الإلهية والمعاني الغيبية ، لا من تحت أرجلهم كما كان قبل خرق السفينة ، وقتل الغلام بالرياضة والقوى والحواس ، مانعة من ذلك لا ممدة بل لا تتهيأ إلا بعد نعاسهم وهدوئهم.
كما قال موسى لأهله : ( امكثوا ) [طه : 10] ، والجدار الذي ( يريد أن ينقض ) هو النفس المطمئنة ، وإنما عبر عنها بالجدار ؛ لأنها حدثت بعد قتل النفس الأمارة ، وموتها بالرياضة ، فصارت كالجماد غير متحركة بنفسها وإرادتها ؛ ولشدة ضعفها كادت تهلك فعبر عن حالها بإرادة الانقضاض ، وإقامته إياها تعديلها بالكمالات الخلقية والفضائل الجميلة بنور القوة النطقية ، حتى قامت الفضائل مقام صفاتها من الرذائل.
وقول موسى عليه السلام ( لو شئت لاتخذت عليه أجرا ) تلوين قلبي لا نفسي ، وهو طلب الأجر والثواب باكتساب الفضائل واستعمال الرياضة ؛ ولهذا أجابه بقوله : ( هذا فراق بيني وبينك ) أي : هذا هو مفارقة مقامي ومقامك ومباينتهما ، والفرق بين حالي وحالك ، فإن عمارة النفس بالرياضة والتخلق بالأخلاق الحميدة ليست لتوقع الثواب والأجر ، وإلا فليست فضائل ولا كمالات ؛ لأن الفضيلة هي التخلق بالأخلاق الإلهية بحيث تصدر عن صاحبها الأفعال المقصودة لذاتها لا لغرض ، وما كان لغرض فهو حجاب ورذيلة لا فضيلة ، والمقصود هو طرح الحجاب ، وانكشاف غطاء صفات النفس والبروز إلى عالم النور ؛ لتلقي
Shafi 433