Carais Bayan
عرائس البيان في حقائق القرآن
( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (94) ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين (95) إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون (96) ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم (97))
قيل : ( أجيبت دعوتكما ) استقيما على مناهج الصدق.
قوله تعالى : ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك ): كان صلى الله عليه وسلم مصطفى في الأزل بشرط الرسالة والنبوة ، والمقام المحمود الذي خص به عن جميع خلقه ، فلما جاء عليه أوائل الاصطفائية ودلائل الرسالة وحقائق أنوار الوصلة بغتة ولم يحصل له تسرمد الحاصل البداية تردد حاله وعارضه وسره ، وخاف من فوت الحال ، فسلى الحق قلبه بخطابه ، وأحاله إلى رؤساء أخبار كتبه المنزلة ليعرفوا من هناك نشر فضائله واختصاصه في الأزل برسالته بما وجدوا في كتبهم ، ألا ترى كيف أراد أن تلقى نفسه من حبل جرى شوقا إلى جبريل عليه السلام ورسالة الله سبحانه ، حتى جاء جبريل وأخذه وتسلاه بسلام الله ووحيه.
ألا ترى إلى قوله : «زملوني زملوني» (1)، ولا تعجب عن خواطر التردد عن البشر ، وإن كان رفيعا ، فإن شاهد القدم لو بقلب سربال الربوبية يبلغ قلوب الصديقين ، ويفني أرواح المقربين من يتخلص من معارضة النفس بعد المكاشفة ، وتلك المعارضة تصدر من الحق امتحانا وعبرة ، حتى تطلع على الطالب شمس العناية ، وقمر السعادة ، فيرى الحق بالحق ويستقيم به له.
ألا ترى كيف قال عليه السلام : «إنه ليغان على قلبي ، وإني لأستغفر الله في كل يوم سبعين مرة» (2)، وكيف قال : «نحن أولى بالشك من إبراهيم» (3)، ليس هذا شكا في وعد الله إنه رفع المعارضة والخطرات ، ألا ترى إذا استقام وزال الامتحان من مقام العرفان والإيقان ، كيف قال : «لا أشك لا أشك» (4)، لا تعجب مما ذكرنا ؛ فإن الحق حق ، والخلق خلق ، حاشا أنه كان في شك ، إنما كان في رؤية جلال القديم ، يرى نفسه غريبا عجيبا ، ويتعجب مما يرى من غرائب وضوح الرؤية ، كان كمن لم ير ، فتحير في أمر الأزلية وأحكام الربوبية ، قد اضمحل الحدث في القدم ، ويرى القدم ، ولم ير أنه يرى القدم بالحدث ، فدهش بين رؤيتين يسمع خطاب
Shafi 98