586

Carais Bayan

عرائس البيان في حقائق القرآن

Yankuna
Iran
Daurowa & Zamanai
Abbasiyawa

( وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ): انبسطت عرصات قلوبهم لتراكم غيوم القبض ، وتتابعت على أسرارهم أنوار العظمة ، فأبرزت الأرض من عظائم برحاء مواجيدهم ، وتراكم حقائق همومهم ، فلا يبقى ذرة من الأرض إلا واستغرقت في بحار أنفاسهم الملكوتية ، واحترقت بنيران أفئدتهم الجبروتية ، وما رأوا على وجه الأرض ما يستأنسون به غير الله.

ثم وصف نفوسهم بفنائها في آثار قلوبهم ، بقوله : ( وضاقت عليهم أنفسهم ) ضاقت نفوسهم من حمل وارد الغيب عليهم ، وعن أثقال أرواحهم ، التي هي مطايا أسرار الألوهية ، ولطائف كنوز الربوبية ، وفنوا تحت سلطان كبريائه ، ودخلوا تحت أكناف لطفه من عزائم قهره.

بقوله تعالى : ( وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ) عرفوا موضع الفرار منه إليه ، فقطعوا الوسائط ، وخاضوا في بحار القهر بسفن اللطف ، فلما رآهم منفردين من دونه ، أقبل إليهم بنوادر لطفه ؛ ليقلبهم من الكون إلى وجهه ، بقوله : ( ثم تاب عليهم ليتوبوا ) رفع حجاب الحشمة من البين ؛ ليدخلوا الحضرة بوصف الأنس ، اشتاق إليهم ، فشوقهم إليه ، ثم وصف نفسه بأنه قابل التوبة في الأزل ، رحيم على من رجع إليه ، بأن أمنه بعد خوفه ، وقربه بعد بعده.

قال أبو عثمان : من رجع إلى الله ، وإلى سبيله ، فلتكن صفته هذه الاية ، تضيق عليه الأرض حتى لا يجد فيها لقدمه موضع قرار ، إلا وهو خائف أن الله ينتقم منه فيها ، وتضيق عليه أحوال نفسه ، فينتظر الهلاك مع كل نفس ، هذه أوائل دلائل التوبة النصوح ، ولا يكون له ملجأ ولا معاد ولا رجوع ؛ إلا إلى الله بانقطاع قلبه عن كل سبب.

قال الله تعالى : ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض ).

وقيل في قوله : ( وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ) لن يعتمدوا حبيبا ، ولا خليلا ، ولا كليما ، بل قلوبهم منقطعة عن الخلق أجمع ، وعن الأكوان كلها.

لذلك قيل : المعارف ألا تلاحظ حبيبا ولا خليلا ولا كليما ، وأنت تجد إلى ملاحظة الحق سبيلا.

وقال أحمد بن خضرويه ، لأبي يزيد : بماذا أصل إلى التوبة النصوح؟

قال : بالله وبتوفيقه ، ( ثم تاب عليهم ليتوبوا ).

قال بعضهم : عطف عليهم بنوال عطفه ونعمه وفضله ، فألفوا إحسانه ، ورجعوا إليه ،

Shafi 56