Carais Bayan
عرائس البيان في حقائق القرآن
الموارد والمشارب في زمان الأول حين خرجوا من العدم بنور القدم.
( ألست بربكم ): خطاب تعريف وتذكير معاهد الأولية ، وأنشد في معناه :
سقيا لعهدك الذي لو لم يكن
ما كان قلبي للصبابة معهدا
في الأول كانوا غائبين عنه ، فأدركهم نور محبته ، فأولهم قبل ظهورهم في لباس آدم ، فلما عرفهم تلك الحلاوة ذكروا ما وجدوا ، وأنشدوا :
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى
فصادف صبا فارغا فتمكنا
( ألست بربكم ): لأهل اللطف خطاب تعطف ، ولأهل القهر خطاب تعظم ، خاطب العارفين بتعريف المشاهدات ، وخاطب الجاهلين بالقهر والامتحانات ، فاعترفوا جميعا بوحدانيته طوعا وكرها ، طوعا لأهل العرفان ، وكرها لأهل العماء والطغيان.
ولولا خطابه وإنطاقه بالقدرة الأزلية ما قالوا جميعهم بني إلا أهل شهود جماله ، فلما خاطبهم فرح أهل محبته ، فطاروا بأجنحة توحيده في هواء وحدانيته فرحا وسرورا بجماله ، وتحير أهل الحجاب ، فبهتوا وتاهوا في أودية قهره ، ثم عظم ميثاقه تعالى معهم بشهوده إياهم بقوله : ( شهدنا ): أخبر عن كشف نقاب الأزلية عن وجه السرمدية لأهل المعرفة ؛ لئلا ينسوه طرفة عين إلى أبد الآبدين ، وإن كانوا في حجب الامتحان ؛ لأن العاشق يرى معشوقه في رؤية جميع البلاء ، وكيف يحتجب المحب عن محبوبه ، ومحبته محيطة بجميع وجوده :
أريد لأنسى ذكرها فكأنما
تمثل لي ليلى بكل سبيل
قال أبو سعيد الخراز في قوله : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم ): ترابا لأهل الإيمان بالسكون ، فعرفوه ، وسكنوا واطمأنوا ، وترابا لأهل الكفر بالتعظيم ، فطاشت عقولهم ، فتفرقوا عنه.
وقال يوسف : قد أخبر أنه خاطبهم ربهم ، وهم غير موجودين إلا بإيجاده لهم إذا كانوا واجدين الحق من غير وجودهم لأنفسهم ، كان الحق بالحق في ذلك موجودا بالمعنى الذي لا يعلمه غيره ، ولا يجده سواه.
قال بعضهم في قوله : ( ألست بربكم ) قالوا : بلى من غير مشاهدة ، ثم كوشفوا ، فشهدوا ما خوطبوا به ، قالوا شهدنا أي : شهدنا حقائق حقك.
Shafi 493