Carais Bayan
عرائس البيان في حقائق القرآن
وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون (66))
قوله تعالى : ( بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) أشار الله سبحانه عن التمثيل والتصوير إلى يد القدم ويد البقاء ، يد القدم اصطفائية الأولياء والصديقين بمعرفته ومحبته ، وذلك كقضاء الإرادة القديمة من القدرة القائمة بالذات إيجاد الصفوة ، فتجلت القدرة بالمشيئة الأزلية للعدم ، فظهرت من العدم بنور القدم أرواح أهل الولاية ، فقبضتها القدرة ، وأنفقت عليها أنوار المشاهدة ، ورتبها برزق القدرة والوصلة حتى أدخلتها الأشباح وأوصلتها إلى يد البقاء ، قربتها يد البقاء بقربات الأبدية ، ومداناة السرمدية ، ففي كل لحظة يتجلى لها القدم ألف ألف مرة بتجلي البقاء لهم في كل لمحة ألف ألف مرة بغير نعت الفترة والانقطاع ؛ لأنه تعالى لا نهاية لجلال قدمه وجمال بقائه.
وأيضا : يد لطفه مبسوطة بالرحمة الواسعة الأزلية لأهل العناية والسعادة ، ويد قهره مبسوطة بالعذاب لأهل الشقاوة ترفع قوما بميزان اللطف ، وتضع آخر من ميزان القهر.
قال عليه السلام : «يد الله ملأى ، تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ، أرأيتم ما أنفق مذ خلق السموات والأرض ، فإنه لم يغض ما في يديه ، وكان عرشه على الماء ، وبيده الميزان ، يخفض ويرفع» (1).
قال الأستاذ : بل قدرته بالغة ، ومشيئته نافذة ، ونعمته سابغة ، وإرادته ماضية.
قوله تعالى : ( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة ) أشار سبحانه إلى أن لو استقاموا في عملهم بخطاب الله ولم يترسموا برسم أهل الحظوظ لكوشفت لهم أنوار الملكوت في قيامهم لقوة قلوبهم وقوة أبدانهم ، وكوشفت لهم أنوار الجبروت في سجودهم لقوة أرواحهم وقوة عقولهم ، وبين أن فيهم أمة مستعدة لقبول هذه الأحوال ، ومع ذلك أخرج الله سبحانه قوما من مقام التوكل ؛ حيث شرط معهم العمل بالكتاب كما شرط على أهل التقوى بقوله : ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب ) [الطلاق : 2 ، 3] ، ولو كانوا على محل التحقيق في المعرفة لأكلوا رزق الله بالله من خوان غيبه ، كأصحاب المن والسلوى والمائدة من السماء ، ويفتح لهم كنوز الأرض ، وهم على ذلك بإسقاط رؤية الوسائط.
( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته
Shafi 321