Carais Bayan
عرائس البيان في حقائق القرآن
كشف الأولية والآخرية من الأزل والأبد ، ونوادره الشطح والعلم المجهول ، وما وقع على الروح من كشف الجمال والجلال وعجائبه الشوق والمحبة والسكر والانبساط ، وما وقع على القلب من كشف العظمة ولطائفه الهيبة والإجلال وعلوم الصفات وحكم الربوبية ، وما وقع على العقل من كشف نور الأفعال ونتائجها الأذكار والأفكار والمعاملة والعبودية ، وهذه الأحكام عند أربابها مختلفة باختلاف كواشفها ، ولبعضها على بعض معارضة من جهة غرائبها ؛ فإصلاح بينهم لا يكون إلا بالكتاب والسنة وموازينهما ؛ لا أن يعلمها بفرق بيان موارد الأسرار وعجائب الأنوار ، قال الله تعالى : ( تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة )، وقال : ( ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) (59) أي : أصلحوا شأنكم في سير المقامات والأحوال بكلام الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ لتستقيموا في شرائع المعارف.
قال سهل في هذه الآية : هو الروح والقلب والعقل والطبع والهوى والشهوة ، فإن بغى الطبع والهوى والشهوة على العقل والروح والقلب فليقاتله العبد بسيوف المراقبة وسهام المطالعة وأنوار الموافقة ؛ ليكون الروح والعقل غالبا والهوى والشهوة مغلوبا.
( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (10) يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (11))
قوله تعالى : ( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ): افهم أيها العاقل أن الله سبحانه خلق الأرواح المقدسة من عالم الملكوت ، وألبسها أنوار الجبروت ، فمواردها من قربه مختلفة ، لكن عينها واحدة ، وخلق هياكلها وأشباحها من تربة الأرض التي أخلصها من جملتها ، وزينها بنور قدرته ، ونفخ فيها تلك الأرواح ، وجعل بين الأرواح والأجسام والنفوس الأمارة التي ليست من قبيل الأرواح ، ولا من قبيل الأجسام ، وجعلها مخالفة للأرواح ومساكنها ، فأرسل الله عليها جند العقول ؛ ليدفع بها شرها ، فإذا امتحن الله عباده المؤمنين هيج نفوسهم الأمارة ؛ ليظهر حقائق درجاتهم من الإيمان والآخرة ، فأمرهم أن يعينوا العقل والروح والقلب على النفس حتى تنهزم ؛ لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضهم بعضا ، ثم بين أن في الإصلاح بين الإخوان الفلاح والنجاة إذا كان مقرونا بالتقوى الذي يقدس البواطن من البغي والحسد بقوله : ( واتقوا الله لعلكم ترحمون ) (10)، فإذا فهمت ما ذكرت علمت أن حقيقة الأخوة مصدر الاتحاد ؛ فإنهم كنفس واحدة ؛ لأن مصادرهم مصدر
Shafi 328