Carais Bayan
عرائس البيان في حقائق القرآن
الغيوب ومضمرات القلوب وحركات الأرواح وعلل الأشباح ، يعز العارفين بعزته ، ويشوق المحبين إلى جمال مشاهدته بمحبته الأزلية التي سبقت في الأزل لأهل خالصته ، أنزل هذا التنزيل إلى سيد المرسلين ، وإمام العالمين ليبشر بنزوله أهل نزل مواهبه السنية ، ومعارفه المقدسة ، وليفرح فؤاد المهتمين على ما جرى عليهم خطرات الامتحان ، وهواجس النفس ، والشيطان بقوله : ( غافر الذنب وقابل التوب ) يستر ذنوب المذنبين بحيث يرفع عن أبصارهم حتى ينسوها ويقبل عذرهم حين افتقروا إليه بنعت الاعتذار بين يدي ربه.
( شديد العقاب ) لمن لا يرجع إلى المآب بأن عذبه بذل الحجاب.
( ذي الطول ) لمن أفنى نفسه لنفسه ، وطوله طول كشف جماله في أوقات الواردات والمواجيد ، من خصه بالقرب والجمال ، ثم وصف نفسه بالتنزيه والتقديس ، ونفى الأنداد والأضداد في ربوبيته وغفران عباده ، وتعذيب عصاته بقوله : ( لا إله إلا هو إليه المصير ) (3) إليه يرجع كل مشتاق ، وكل عارف محب عاشق ، يقبل منهم عذرهم في تقصيرهم في العبودية ، وقلة عرفانهم حقوق الربوبية ، هو مصدر الكل ، ومصير الكل مصادر القدم ومعادنهم ، لا العدم ، فإن العدم لا شيء في شيء ، وهو موجد الأشياء بلا علل ولا حيل ، ثم من غيرته يعدم الكل حتى لا يبقى في ساحة الكبرياء أهل الفناء ، قال تعالى : ( كل شيء هالك إلا وجهه ) [القصص : 88].
قال سهل في قوله : ( حم ): الحي الملك ، وفي قوله : ( تنزيل الكتاب ): هو الذي أنزل عليك الكتاب ، وهو الله الذي ولهت به قلوب العارفين ، والعزيز من درك الخلق العليم بما أنشأ وقدر ، ( غافر الذنب ): أي : ساتره على من يشاء ، ( وقابل التوب ): أي : ممن تاب إليه ، وأخلص العمل بالعلم له ، ( ذي الطول ): ذي الغنى من الكل.
قال بعضهم : ( غافر الذنب ): كرما ، ( وقابل التوب ): فضلا ، ( شديد العقاب ): عدلا ، ( لا إله إلا هو ): فردا ، ( إليه المصير ): تصديقا للوعد.
قال بعضهم : غافرا لذنب المذنبين ، وقابلا توبة الراجعين ، شديد العقاب على المخالفين ، ذي الطول على العارفين.
قال الأستاذ : غافر الذنب لمن أصر وأجرم ، وقابل التوب لمن أقر وندم ، وشديد العقاب لمن جحد وعند ، وذي الطول لمن عرف ووحد.
قوله تعالى : ( ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ) أي : ما يخاصم في هذه الإشارات التي رمز الحق فيها من غوامض علومه الإلهية إلا أهل التقليد من المنكرين.
Shafi 228