وارتفعت أنشودة فوكس ولتزريانا الخارقة، حتى أصبحت قطعة موسيقية، عالية باكية، وتلاشت فجأة رائحة الليمون - في نظام الروائح المتتابعة - وحلت محلها رائحة هندية قوية أخرى، واهتزت لندا، ثم تيقظت، وحدقت بضع ثوان متحيرة في اللاعبين في الأشواط النهائية، ثم رفعت وجهها، واستنشقت الهواء بعطره الجديد مرة أو مرتين، وابتسمت فجأة - ابتسامة تنم عن سعادة الطفولة.
وأغمضت عينيها، وتمتمت قائلة «بوبي! إني أحبه حبا جما، إني ...» وتنهدت واسترخت فوق الوسادات.
وتكلم الهمجي متوسلا، قال: «لندا! ألا تعرفينني؟» لقد حاول جهده وبذل ما في وسعه، فلماذا لم تسمح له بالنسيان؟ وضغط على يدها المسترخية بشيء من العنف، كأنه يريد إرغامها على التخلص مما كانت تحلم به من متع غير بريئة، أو من هذه الذكريات الوضيعة الكريهة - كأنه يريد أن يعيدها إلى الحاضر وإلى الواقع - إلى الحاضر المزعج والواقع المر - ولكنه رفيع، ولكنه خطر، ولكنه هام جدا، والسبب هو اقتراب وقوع ذلك الأمر عينه الذي جعله الواقع مخيفا . - «ألست تعرفينني يا لندا؟»
وأجابته بضغط يدها الخفيف الذي أحس به، وانحدر الدمع من عينيه، وانحنى فوقها وقبلها.
وتحركت شفتاها وهمست ثانية بقوله: «بوبي!» وكأن أحدا ألقى في وجهه دلوا مليئا بالروث.
وغلى دمه بالغضب، وكبحت إرادته للمرة الثانية، ووجدت عاطفة الحزن عنده مخرجا آخر، وتحولت إلى ثورة أليمة.
فصاح قائلا: «ولكني جون، أنا جون!» وفي بؤسه وثورته أمسك فعلا بكتفها وهزها.
ففتحت لندا عينيها في الحال، ونظرت إليه وعرفته - «جون» - لكنها غمرت وجهه الواقعي ويديه العنيفتين في عالم خيالي - غمرته في بحر من العطر الهندي المستحدث والورلتز الخارق، والذكريات المتغيرة والإحساسات التي تبدلت تبدلا عجيبا، والتي كان يتألف منها عالم أحلامها، عرفت أنه جون ابنها لكنها تصورت أنه دخيل على مالبي الفردوسية، التي كانت تنفق فيها عطلة السوما مع بوبي، وأغضبه أنها تحب بوبي، وكان يهزها لأن بوبي كان هناك في السرير - كأن هناك خطأ من الأخطاء، وكأن الناس المتمدنين جميعهم لم يفعلوا مثل ذلك؟ «إن كل فرد يتعلق بكل ...» وانخفض صوتها بغتة حتى أصبح كنقيق الضفادع الخافت الذي لا يكاد يسمع، وانفرج فوها، وحاولت مستيئسة أن تملأ رئتيها بالهواء، غير أنها كانت كمن نسي كيف يتنفس، وحاولت أن تصيح - ولكن صوتا لم يرتفع منها، وتبين من فزع عينيها المحملقتين أنها كانت تعاني ألما مبرحا، وارتفعت يداها إلى حلقها، ثم خدشت بمخالبها الهواء - الهواء الذي لم تستطع بعد أن تتنفسه، الهواء الذي لم يكن له - بالنسبة إليها - وجود.
ونهض الهمجي على قدميه، وانحنى فوقها وسألها متوسلا: «ما هذا يا لندا، ما بك؟» وكأنه يطلب لنفسه الطمأنينة.
ورمقته بنظرة مليئة بالرعب الشنيع، وكأنها بهذه النظرة المريعة تلقي عليه اللوم الشديد، وحاولت أن تنهض في فراشها، ولكنها سقطت على الوسادات، وأصبح وجهها شديد التشويه وشفتاها زرقاوين.
Shafi da ba'a sani ba