لكن لسوء طالعها، كان تفكيره في تلك اللحظة منصبا على عشائه.
صفي ذهنها المشوش فيما كان يهم بمغادرة العربة.
قالت: «إن كنت محقة يا بروفيسور، فستقرأ في الصحف عن سيدة إنجليزية مفقودة، عن الآنسة فروي، عندما تعود إلى إنجلترا. وحينئذ، سيكون الأوان قد فات على إنقاذها. ألن يطاردك الذنب لما تبقى من حياتك لأنك تأبى تصديقي الآن؟»
قال البروفيسور مقرا: «ربما أندم على الأمر، إلا أنه لا يرجح أن تحين فرصة لذلك الندم.» «لكن لو أنك فعلت أمرا بسيطا للغاية، فلن تضطر للندم على الإطلاق، كما لن تضطر لبتر وجبة عشائك.» «وماذا تريدينني أن أفعل؟» «رافق الطبيب إلى المشفى بترييستي وراقب نزع ضمادة أو شريط لاصق عن وجه المريضة، فقط بالقدر الذي يكفي كي تتبين أن بها إصابة حقيقية.»
مع أن اقتراحها ذلك أذهل البروفيسور، أمعن التفكير فيه ببطء بضميره الحي المعتاد. شجع ذلك آيريس على تتبع غنيمتها تلك بحجة جديدة. «أنت تقر حتما بأن ليس بوسعي أن أفعل أي شيء؛ فأنا لست مخبولة، وقد يعد ذلك قتلا عن غير عمد، كما أن الطبيب لن يسمح لي بذلك؛ لذا فالأمر يخلص إلى ذلك. اختباره النفيس لا يعني أي شيء على الإطلاق.»
إبان كلماتها تلك، تسلل الارتياب من الطبيب إلى عقله للمرة الأولى. بدا ذلك على وجهه المجعد وأصابعه الناقرة. اعتاد دائما أن يحسب التكلفة قبل أن يفكر في أي مشروع، مع أنه كان من المعتاد ألا تثنيه عن حس الواجب اليقظ لديه.
في تلك الحالة كانت الخسائر عديدة، أبرزها المالية. هو ليس مسرفا، لكن راتبه لا يغطي سوى مستوى المعيشة الذي يحظى به في كامبريدج؛ لذا يضطر لاجتزاز تكاليف عطلاته من رأس ماله. كي يحظى بتغيير ذهني كامل، يسافر على الأقل ثلاث مرات في العام؛ مما يضطره إلى الاقتصاد في إنفاقه.
لأن الجزء الأكبر من التكاليف في تلك الرحلة المميزة كان من نصيب رحلة القطار الطويلة؛ فقد حجز تذاكرها من خلال إحدى وكالات السفر الرخيصة المتخصصة في الأسعار المخفضة؛ لذا لا تتيح له تذكرته أن يقطع رحلته في أي مكان.
مما يصعب الأمر أنه يعوزه النقود؛ فقد دفعه كرهه للسفر في إحدى المواصلات العامة للرضوخ إلى إغراء مشاركة مقصورة خاصة مع هير في رحلة العودة.
كما أن لديه سببا آخر أكثر إلحاحا لعدم التوقف في ترييستي والمبيت فيها؛ فالتأخير سيعني أن يضحي بالتزام يعتز به؛ فهو مدعو لقضاء عطلة نهاية الأسبوع القادم برفقة زميل عجوز - مثقف منزو - يعيش في ركن منعزل من ويلز. إن وصل إلى إنجلترا يوم السبت لا الجمعة، فسيكون قد تأخر كثيرا.
Shafi da ba'a sani ba