فسبب واحد لا يغير هذا كله دفعة واحدة.
ولا بد لتمام هذا التغيير من أسباب سابقة مهيئة، وأسباب موقوتة هي أظهر تلك الأسباب، وقد تكون أضعفها وأقلها تفسيرا لذلك الحدث العظيم في العالم، وهل يتغير الإنسان هكذا إلا وقد أحاط بالعالم - في نظره - حدث عظيم؟
ونحن قد أشرنا - فيما تقدم - إلى ندم عمر لشكاية المرأتين اللتين عارضهما في الإسلام، وإلى ما كان لندمه من كسر حدته، واستلال ضغنه، وترويض عناده، والتقريب بينه وبين الخشوع الديني، والهداية الإسلامية، فهل نقف عند هذا الندم وكفى؟ وهل انتهينا به إلى حيث يستقر الوقوف؟
ومما لا شك فيه أن عمر كان مقتربا من الإسلام يوم رثى لأم عبد الله بنت حنتمة، وتركها تنطلق إلى الهجرة وهو يدعو لها بالسلامة، وكانت هي على صواب حين طمعت في إسلامه ورجالها يائسون منه، فقد سألها عامر بن ربيعة مستغربا مستبعدا: كأنك قد طمعت في إسلام عمر؟ قالت: نعم. قال: إنه لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب!
ولكن الرجل أخطأ، وصدقت المرأة، إذ ليس أسرع من المرأة أن تلمح جانب الرقة وجانب الغضب من قلب الرجل في خطفة عين، أليست حياتها كلها من قديم الزمن منوطة بذلك الغضب، كيف تتلطف في تحويله؟ وبتلك الرقة كيف تتلطف في ابتعاثها من مكمنها، وهل تحجبها عنها القوة وهي ما نفذت إلى نفس الرجل قط إلا من وراء القوة؟
فعمر كان مقتربا من الإسلام يوم رثى للمرأة المهاجرة، ودعا لها بصحبة الله، وكان على تمام الإسلام يوم رأى الدم على وجه أخته، ورأى زوجها منطرحا لا يقوى على دفاع.
ولكنه - كما قلنا - سبب من أسباب، أو أنه هو السبب العارض الذي يومئ
2
إلى السبب العميق: سبب عارض هو الأسف لشكاية الضعيف، وسبب عميق هو الرحمة التي تجمل بذي نخوة كريم. وليس الإنسان كله ندما ورحمة، وإن طال ندمه وطالت رحمته، فليس كل ما احتوى رحمته بمحتويه إلى زمن طويل.
وقد تعددت الروايات في إسلام عمر، واختلف بعض هذه الروايات في اللفظ، واتفق في المغزى، وجعل أناس ينظرون فيها كأنما الصحيح منها لا يكون إلا رواية واحدة وسائرها باطل لا يشتمل على حقيقة، فلم لا تكون صحاحا كلها؟ ولم لا تكون أسبابا متعددات في أوقات مختلفات؟ فمن المستطاع المعقول أن نسقط منها قليلا من الحشو هنا، ثم نخلص منها إلى جملة أسباب لا تعارض بينها في الجواهر، وقد يعزز بعضها بعضا في نسق السيرة وفي لباب النتيجة.
Shafi da ba'a sani ba