Cabarat
العبرات
Mai Buga Littafi
دار الهدى الوطنية للطباعة والنشر والتوزيع
Inda aka buga
بيروت - لبنان
Yankuna
Misira
وَمَا وَصَلَ إِلَى حَدِيثه إِلَى هَذَا اَلْحَدّ حتي ثِقَل لِسَانه وَوَهَنَتْ عَزِيمَته وَارْتَعَدَتْ مَفَاصِله فَسَقَطَ فِي مَكَانه يزفر زَفِيرًا شَدِيدًا وَيَئِنّ أَنِينًا مُحْزِنًا فَاقْتَرَبَ مِنْهُ اَلشَّيْخ وَوَضْع يَده عَلَى رَأْسه وَقَالَ لَهُ:
أَرْفُق بِنَفْسِك يَا بَنِي فَمَا أَنْتَ بِأَوَّل ثاكل عَلَى وَجْه اَلْأَرْض وَلَا فَقِيدك بِأَوَّل رَاحِل عَنْهَا وَإِنَّ فِي رَحْمَة اَللَّه وَرِضْوَانه عَزَاء لِلصَّابِرِينَ وَجَزَاء لِلْمُحْسِنِينَ فَأَهْوَى اَلْفَتِيّ عَلَى يَده وَأَخْذ يَقْبَلهَا ويوقل أَغْفِر لِي ذَنْبِي يَا أَبَتْ فَقَدْ كَانَتْ مِنْ اَلظَّالِمِينَ قَالَ غَفَرَ اَللَّه لَك يَا بَنِي فَمَا دُون رَحْمَة اَللَّه بَاب مُوصَد وَلَا رتاج، مُعْتَرِض قَالَ لِلَّهِ يَا أَبَتْ إِنَّ هَذِهِ اَلْفَتَاة غَرِيبَة عَنْ هَذِهِ اَلْأَرْض وَلَيْسَ لَهَا فِيهَا أَحَد سِوَايَ وَقَدْ
مَاتَتْ مِنْ أَجْلِي وَفِي سَبِيلِي فَهَلْ تَأْذَن لِي أَنْ أَدْنُو مِنْهَا لِأَقْبَلهَا قُبْلَة اَلْوَدَاع فِي آخِر سَاعَة مِنْ سَاعَتهَا علد وَجْه اَلْأَرْض قَالَ اِفْعَلْ يَا بَنِي فَزَحَفَتْ عَلَى رُكْبَتِي حَتَّى بَلَّغَ مَكَانهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ ضَمَّة شَدِيدَة وَأَهْوَى بِفَمه عَلَى فَمهَا فَقَبِلَهَا لِأَوَّل مَرَّة فِي حَيَاته قُبْلَة فَاضَتْ رُوحه فِيهَا.
فِي اَلسَّاعَة اَلَّتِي دُفِنَّ فِيهَا خذان اَلشَّهِيدَانِ تَحْت تِلْكَ اَلشَّجَرَة اَلْمُورِقَة عَلَى شَاطِئ ذَلِكَ اَلنَّهْر اَلْجَارِي مَرَّتْ بِكُوخ اَلْعَجُوز اِمْرَأَة مِنْ جَارَاتهَا كَانَتْ تَعْتَادهَا اَلزِّيَارَة مِنْ حِين إِلَى حِين فَنَظَرَتْ إِلَى مَكَانهَا اَلَّذِي اِعْتَادَتْ أَنْ تَتَّخِذهُ مِنْ حَافَّة ذَلِكَ اَلْقَبْر اَلْمَفْتُوح فَرَأَتْهُ خَالِيًا فَأَشْرَقَتْ عَلَى اَلْحُفْرَة فَوَجَدَتْهَا مُتَرَدِّيَة فِيهَا مُعَفَّرَة بِتُرَابِهَا لَا حَرَاك بِهَا فَمَلَأَتْ بِالتُّرَابِ اَلَّذِي كَانَ مُجْتَمَعًا حَوْل اَلْحُفْرَة تِلْكَ اَلْأَشْبَار اَلْخَمْسَة اَلَّتِي هِيَ مَسَافَة مَا بَيْن اَلْحَيَاة وَالْمَوْت ثُمَّ فَوْق تُرْبَتهَا دَمْعَة كَانَتْ هِيَ كُلّ نَصِيبهَا مِنْ اَلدُّنْيَا.
1 / 38