Bulugh Arab
بلوغ الأرب وكنوز الذهب
نعم، وكذلك أبو(1) عبد الله [محمد](2) بن كرام أصحابه جمعوا بين الجبر والتشبيه ولم يكن لهم [140أ-أ] سلف وأحدث أقوالا؛ وكان أبو عبد الله(3) <<قد مر بنيسابور>>(4) أيام الطاهرية فحبس بإشارة العلماء وبقي محبوسا بضع عشرة سنة، واختلفوا(5) في سبب حبسه فأصحابه يقولون أن المنجمين حكموا بأن زوال دولة الطاهرية على يد رجل من سجستان؛ فلما قدم أبو عبد الله واستوطن نيسابور وظهر له سوء ظن أنه هو فحبسه؛ وأما غيرهم -وهو الصحيح- فيزعمون أنه أظهر القزل بأن الإيمان قول، وأنه تعالى جسم على العرش وغير ذلك من أقاويله الفاسدة، وأجمع أهل العلم [على عدم القول](6) بها وقالوا أنه مبتدع، فحبسه عبدالله، فلما مات عبد الله خرج من السجن وذهب إلى بيت المقدس وتوفى ثمة ولم يكن يرجع إلى علم وإنما أظهر النسك وله كتب من نظر فيها علم قلة تحصيله، وقيل أنه تلميذ لعثمان بن عفان الشجري، ثم خالفه ورد عليه. وقد أخذوا من كل كفر بنصيب قالوا: إنه تعالى فوق العرش، وأنه أعظم بذاته من كل شيء وإنه لا يتناهى من خمس جهات ويتناهى من جهة السفل، وأنه نور مضيء وهذى بعينه مذهب الثنوية والمجوس؛ واعتقدوا أنه محل للحوادث ولا يحدث في العالم شيء إلا ويحدث في ذاته شيء -فيسمون ذلك حادثا وهذا محدثا- وذكروا(7) أنه تعالى لم يزل خالقا ورازقا ومنعما، وذكروا أن أسماءه لا يجوز أن تكون متجددة؛ فجوزوا تجدد المعنى(8) في ذاته ولم يجوزوا تجدد الاسم، وزعموا أن ما يحدث في ذاته خلق لا فاعل له وما في العالم مخلوق، وذكر عنهم أنه خالق بالخالوقية ورازق بالرازقوقية، وذكر أبو عبد الله في كتابه بابا كيف فيه الرب(9) والعجب ممن بلغ جهله هذا المبلغ كيف يكون متبوعا أو مقتدى فيه به(1)، وزعم أن العالم مخلوق ولم يكن الله قادرا على العالم قبل وجوده، وذكر بن كرام في كتابه عذاب القبر أنه تعالى جوهر وقال: أحدي الذات أحدي الجوهر؛ وهذا مذهب النصارى وزادوا عليهم بأنه متحيز، وذكر في كتابه المسمى بالتوحيد : (إن سألك سائل عن طوله فقل ذي طول؛ فأثبت له طولا واستدل بالآية(2) لجهله باللغة، واستدل بأن لله حدا(3) بقوله: {قل هو الله أحد}[ الإخلاص :1 ] قدر أن أحدا من الحد وكان فيهم رجلا يعرف بالشورميني نقض على النحاة قولهم المبتدأ رفع وقال: الله تعالى يقول {والشمس وضحاها}، ونقض على أهل الحساب في قولهم ثلاثة في ثلاثة تسعة، وقال: [140ب-أ] يكون ستة.
وكان فيهم رجل يعرف بابن المهاجر يزعم أن الاسم هو المسمى، وزعم أن الله عرض؛ لأن الله اسم والاسم عرض، وكان يقول أن الله ليس بقادر وأن القادر ليس بحي والعالم ليس بحي ولا قادر وليس يثبت قدرا بعضها إله وبعضها حي [وبعضها قادر](4) وبعضها عالم وكلهم قالوا: أن الله -سبحانه وتعالى- مماس للعرش، وأن ذاته أكبر من العرش؛ فإذا سئلوا: لو قلب الله [169-ب] العرش حمارا أكان راكب حمار؟ فيقولون: هو في مقدوره إلا أنه لا يفعل، ويقولون: هو مريد فما لم يزل بإرادة حادثة ليست بمحدثه ويفصلون بين الحادث والمحدث ويقولون القرآن ليس بكلام الله وإنما هو قوله وأنه حادث فيه وليس بمحدث ويقولون الكلام قدره على التكليم والتكلم ويقولون الأعراض كلها تبقى ولا يجور أن تعدم عن ذاته شيء، ويقولون: القدرة قبل الفعل، ولهم أسرار في مذاهبهم يسمونها أحكاما تشبه أسرار الباطنية فمن ذلك قولهم أنه يجوز أن يخرج الله الكفار من النار.
Shafi 204