Bulghat Faqih

بلغة الفقيه

Editsa

شرح وتعليق : السيد محمد تقي آل بحر العلوم

Bugun

الرابعة

Shekarar Bugawa

1984 م - 1362 ش - 1403

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله جاعل العلم حياة القلوب من الردى، ونور الأبصار من العمى، ورافع قدر العلماء بتفضيل مدادهم على دماء الشهداء (1) والشكر له على انتظامنا في عدادهم، أو مكثري سوادهم. وأفضل صلواته وأكمل تحياته على أهل علمه المخزون، وسره المكنون، حملة علم الكتاب: محمد وآله الأطهار الأطياب وبعد فيقول الراجي عفو ربه الغني محمد بن محمد تقي آل بحر العلوم الطباطبائي: إني - وإن كنت أول الأمر عند استقبال العمر لم أقصر في طلب العلوم حسب إمكاني، ولم يضع في غيره إلا القليل من زماني، فكم سهرت لتحصيلها طوال الليالي، واستخرجت بغوص الفكر في بحارها غوالي اللئالي، أجيل في مضاميرها سوابق أفكاري، وأصيب غوامضها بصوائب سهام أنظاري - لكني لم أحفظ بالتحرير ما استحصلته من

Shafi 9

الضياع، إذ كل علم ليس في القرطاس ضاع.

حتى إذا تألب (1) علي صروف الزمان، واختلف باختلاف أغراضي الجديدان (2) وولى من العمر أفضله، وأدبر مستقبله، وذهب بصري، فخفت أن يذهب - كذهاب عيني - أثري.

فهممت بتحرير بعض المسائل المهمة - لو ينفع بالشيخ الهم بذل الهمة - أخذا بقولهم - سلام الله عليهم -: (ما لا يدرك كله لا يترك كله) (3) والميسور لا يسقط بالمعسور (4).

قصرت أملي على من حضرني - على اختلاف معرفتهم واختلاف شؤونهم في تشتيت البال وكثرة المعوقات من الاشتغال -.

فحيثما عثرت على تعقيد في التعبير، أو سماجة (5) في التحرير فقد عرفت أمره وأسلفنا لك عذره.

وقد سميتها (بلغة الفقيه لما يرتجيه) رجاء أن يبلغنا الله تعالى بها مبالغ رضاه، ويجعلها من أحسن الوسائل يوم نلقاه.

فنقول:

Shafi 10

رسالة في الفرق بين الحق والحكم

Shafi 11

مسألة لما خفي الفرق على كثير بين الحق والحكم، والتبس الأمر بينهما، مع ابتناء كثير من الفروع الفقهية عليهما، والفرق في الحقوق بين ما يقبل النقل والاسقاط، وبين ما لا يقبلهما أو يقبل أحدهما دون الآخر.

أحببت أن أشير إلى الفرق بينهما بحسب المفهوم والحقيقة، وتحصيل ما هو الميزان الفارق بينهما والثمرات المترتبة عليهما، وميزان الفرق في الحقوق بين ما يسقط بالاسقاط وما لا يسقط به، وما تصح المعاملة عليه - مجانا - أو بعوض، وما لا تصح بهما أو بأحدهما، ومعرفة مصاديق الحكم أو الحق مما وقع الخلاف فيه، ومصاديق الحقوق القابلة للاسقاط والنقل وغير القابلة لهما أو لأحدهما، وحكم صورة الشك في كل من الأمرين بحسب ما تقتضيه الأصول والقواعد. فنقول - وبالله المستعان -:

أما الحكم: فهو جعل بالتكليف أو بالوضع، متعلق بفعل الانسان من حيث المنع عنه والرخصة فيه، أو ترتب الأثر عليه. فجعل الرخصة - مثلا - حكم، والشخص مورده ومحله، وفعله موضوعه. وهو لا يسقط بالاسقاط، ولا ينقل بالنواقل - بالبديهة - لأن أمر الحكم بيد الحاكم لا بيد المحكوم عليه. نعم، لو كان معلقا على موضوع، وكان داخلا فيه، كان له الخروج عنه، فيسقط به - حينئذ - لا بالاسقاط.

وأما الحق فهو يطلق - مرة - في مقابل الملك، وأخرى - ما يرادفه.

وهو - بمعنييه -: سلطنة مجعولة للانسان من حيث هو على غيره ولو بالاعتبار: من مال أو شخص أو هما معا، كالعين المستأجرة، فإن للمستأجر سلطنة على المؤجر في ماله الخاص.

Shafi 13

وهو أضعف من مرتبة الملك، أو أول مرتبة من مراتبه المختلفة في الشدة والضعف.

وله طرفان: أحدهما - طرف النسبة والإضافة، ويعبر عن المنسوب إليه بصاحب السلطنة، وذي السلطان، والآخر - طرف التعلق، ويعبر عن متعلقة بالمسلط عليه.

وهو: قد يكون مستقلا بنفسه كحق التحجير، وقد لا يكون مستقلا بنفسه، بل متقوم بغيره كحق المجني عليه على الجاني، وحق القصاص، فهو كالملك الذي قد يكون متعلقة مستقلا، وقد لا يكون كالكلي في الذمة وقد يتحدان في المورد، وإنما يختلفان بالاعتبار كسلطنة الانسان على نفسه ولذا قبل: (الانسان أملك بنفسه من غيره). ومنه قوله تعالى - حكاية عن كليمة -: (إني لا أملك إلا نفسي وأخي) (1) فما به التعلق عين ما إليه الإضافة، وإنما يختلف بالاعتبار.

ومن فروع هذه السلطنة: تملكه للمباح الأصلي والعرضي بالحيازة، الذي مرجعه إلى حصول الربط بها بين الحائز والمحوز، وارجاع أمر المال إلى نفسه، وجعل نفسه في وثاق المال وبعهدته، بحيث لو كان مما يجب عليه الانفاق وكسوته وحفظة لاحترامه، كان أولى به، فتعلق المال بالمالك معنى له طرفان: الغنم، والغرم، وأولويته به ليس في خصوص النفع وكل ذلك من فعل نفسه بنفسه، وليس إلا لسلطنته عليها، ومنه يظهر الوجه في توقف نفوذ التمليكات المجانية كالهبة والوصية على قبول المتهب والموصى له، لأن المالك لا سلطنة له على غيره حتى يدخل المال في ملكه قهرا عليه، وإلا لكان من الايقاعات لا من العقود. نعم، له التمليك

Shafi 14

لأنه من آثار سلطنته على ماله.

وأما التملك، فمن آثار سلطنة المتملك على نفسه. فالسلطنة المجعولة حق، وصاحبها مالك، وذو سلطان، وإن كان جعلها له حكما.

وكذا الآثار العارضة لها والمتعلقة بنفسها بحيث تكون نسبتها إليها نسبة العارض إلى المعروض، فيكون الحق موضوعا لذلك الحكم، دون ما كان منتزعا منها، بحيث تعد من شعبها وتطوراتها، فإنها من الحقوق أيضا.

وهنا كثيرا ما يقع الاشتباه بين القسمين من الآثار في المصداق وأنه من العوارض على السلطنة أو من شعبها..

ثم الاسقاط الذي مرجعه إلى العفو: عبارة عن قطع طرف التعلق عن متعلقه، ومورده الانسان، ويشبهه في الأعيان الأعراض، بناء على خروج المعرض عنه عن الملك وعوده إلى الإباحة الأصلية، وإلا - كما هو المقرر في محله من عدم الخروج به عنه كما هو المشهور - انحصر مورده بالحقوق المتعلقة بالانسان، ولو في ماله، بناء على ما هو الحق: من أن أولوية السبق في المساجد والمدارس والخانات والرباطات والقناطر والطرق النافذة، ونحو ذلك من الأحكام التي تنتفي بانتفاء موضوعها بالاعراض عن المحل، وهو التزاحم الذي هو موضوع المنع والحرمة، لا من الحقوق التي تسقط بالاعراض.

ولعلك تقف على توضيح ذلك في بيان المصاديق المشتبهة بينهما.

والنقل: هو تحويل طرف الإضافة منه إلى غيره: بعوض، أو مجانا فكل من النقل والاسقاط من عوارض السلطنة وأحكامها.

ثم الحق قد يضاف إليه تعالى، فيكون متعلقه ما سواه من الممكن، وسلطنته عليه من أتم مراتب السلطنة وأكملها، لأنه سلطنة عليه بالايجاد والربوبية، ضرورة افتقار الممكن في تحققه إلى الواجب، لعدم الاستقلالية

Shafi 15

له في الوجود.

ومن فروع هذه السلطنة وحقه على الممكن أن يعبد ويوحد.

ومن رشحاتها: ولاية النبي (صلى الله عليه وآله) على المؤمنين (1) وهي - وإن لم تكن من سنخ سلطنة الله تعالى - إلا أنها سلطنة عنه تعالى بالاستخلاف.

وولاية خلفائه الطاهرين، ونوابهم المجتهدين.

فهي في طول سلطنة الله على خلقه. ولذا كان النبي - صلى الله عليه وآله - خليفته في أرضه والأئمة خلفاءه في أمته، والعلماء نوابهم في شيعتهم.

وهي أقوى وأشد وأولى وأكمل من سلطنة الانسان على نفسه مع كونها في غاية الشدة والكمال، لأن منشأ انتزاعها هو كون الشئ نفسه.

والى السلطنتين وأكملية الأولى من الثانية أشار (صلى الله عليه وآله) في قوله بغدير خم: (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم) ثم جعلها بعد الاعتراف منهم توطئة لبيان ولاية علي عليه السلام، فقال: - بعده -: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه) (2) فولايته على الأمة التي هي بمعنى الأولوية بالتصرف: مشتقة من أولوية النبي (صلى الله عليه وآله) المشتقة من سلطنته تعالى على خلقه.

ثم إن الحق - بما هو حق - يختلف بحسب اختلافه في سقوطه بالاسقاط، وعدمه، ونقله إلى غيره مجانا أو بعوض، وعدمه، وانتقاله قهرا بالإرث، وعدمه - إلى أنحاء شتى:

Shafi 16

منها - ما لا يجوز عليه شئ من ذلك، فلا يسقط بالاسقاط، ولا ينقل بالنواقل، ولا ينتقل بالإرث ونحوه: كحق الأبوة، وولاية الحاكم وحق الاستمتاع بالزوجة للزوج، وحق الجار على جاره، والمؤمن على أخيه: فإنها حقوق لأربابها لا تسقط، ولا تنتقل إلى غيرهم بوجه من الوجوه.

ومنها - ما يجوز فيه كل ذلك، كحق الخيار، وحق القصاص، وحق الرهانة، وحق التحجير، وحق الشرط المطلق.

ومنها - ما يسقط بالاسقاط، ولا ينقل ولا ينتقل، كحق الغيبة، والايذاء بضرب أو شتم أو إهانة أو نحو ذلك - بناء على كونه حقا - ولذا يجب الاستحلال منه، ولا يكتفى بالتوبة في التخلص عنه (1).

ومنها - ما يسقط بالاسقاط، وينتقل بالإرث - على قول - ولا ينقل بالنواقل كحق الشفعة للشريك المسبب عن بيع شريكه.

ومنها - ما ينقل - مجانا لا بعوض - كحق القسم بين الزوجات بناء على عدم مقابلته بالأعواض.

ومنها - المصاديق المشتبهة بين كونها حكما أو حقا.

وإن وقع الخلاف في ذلك في بعض ما تقدم - أيضا - كحق الرجوع في المطلقة الرجعية وحق السبق في المسجد، والأوقاف العامة، والطرق النافذة ومنشأ هذا الاختلاف: هو إن الموجب للحق: إما أن يكون علة تامة، فيستحيل انفكاكه عنه بسقوط أو انتقال، لاستحالة تخلف المعلول عن علته التامة، كولاية الآباء والأقارب، والحاكم، ومنصوبه. والعزال

Shafi 17

المنصوب بالعزل اخراج له عن الموضوع، لا إسقاط للحق مع بقاء.

منشأ انتزاعه.

وإما أن يكون من قبيل المقتضى فيمكن فيه التخلف بحسب ما يوجبه من السقوط أو النقل أو الانتقال، إلا إذا كان المنع عنه من جهة قصور في كيفيته بحسب الجعل، كأن يكون الحق متقوما بشخص خاص أو عنوان خاص، كحق التولية في الوقف إلى المتولي الخاص أو الحاكم، فلا يجوز العدول إلى غير المجعول له بجعل الواقف من الشخص أو أفراد عنوان آخر وكذا حق الوصاية المجعول من الموصي لشخص خاص من حيث هو هو، أو كان مختصا له بالشرط، كحق الخيار المجعول لصاحبه بشرط مباشرته للفسخ بنفسه. فإن أمثال هذه الحقوق إنما هي متقومة بذوات مخصوصة أو عناوين خاصة، فلا تنتقل إلى غيرها لعدم التقوم إلا بها، وإن جاز إسقاطها لعدم كون الموجب لها من العلة التامة.

فتلخص مما ذكرنا: أن الحق: إن كان موجبه علة تامة له، امتنع انفكاكه عنه مطلقا من غير فرق بين السقوط بالاسقاط، والنقل بالنواقل والانتقال القهري بالإرث.

وإن كان من قبيل المقتضى له، وكان مختصا ومتقوما بشخص خاص، فهو، وإن جاز سقوطه بالاسقاط لكونه مالكا، وليس الموجب علة تامة حتى يلزم التخلف المستحيل، إلا أنه لا يجوز نقله لمنافاته الاختصاص المجعول بالأصل أو بالعارض بشرط ونحوه.

وإن لم يكن كذلك بأن لم يكن الموجب علة تامة، ولا الحق مختصا ومتقوما بشخص خاص، جاز إسقاطه ونقله وانتقاله، لوجود المقتضي، وهو كونه مالكا للحق، وعدم المانع من علية الموجب له أو الاختصاص بما يوجب الخصوصية، كحق الخيار المطلق الذي يجوز إسقاطه ونقله وانتقاله.

Shafi 18

هذا، واستفادة ما يتميز به الحكم من الحق وكيفية الحق من بين سائر الحقوق من الموازين المتقدمة، إنما هي من الأدلة بحسب ما يستفيده الفقيه منها، لا ما قيل في إثبات ذلك بالرجوع إلى ثبوت الآثار وعدمه من النقل والسقوط، لأن ذلك - مع كونه مستلزما للدور - غير مطرد، ضرورة أن الحكم مما لا يسقط ولا ينقل، لا كل ما لا يسقط ولا ينقل كان حكما، فإن الحقوق بعضها كالأحكام لا يسقط بالاسقاط ولا ينقل بالنواقل - كما عرفت -.

نعم، لو دل الدليل على السقوط أو الانتقال أفاد كونه حقا، لأن الأحكام بأسرها لا تقبل شيئا من ذلك. وحيثما شك في شئ من ذلك كان المرجع فيه إلى ما تقتضيه الأصول والقواعد. فلو شك في شئ بين كونه حكما أو حقا نفي كل أثر وجودي مترتب على كل منهما بالأصل، فلا يبنى على السقوط بالاسقاط، ولا على الانتقال بالنواقل، لابتناء ذلك على إحراز كونه حقا، ويكفي الشك فيه، فضلا عن كون مقتضى الأصل عدمه، وإن لم يثبت بذلك كونه حكما، لأنه من الأصل المثبت. وكذا لو شك في قابلية إسقاط الحق ونقله بعد إحراز كونه حقا، للشك في علية الموجب وعدمها، أو في اعتبار ما يوجب الاختصاص وعدمه، وإن أحرز كون الموجب مقتضيا، فإنه لا يترتب عليه شئ مما يتوقف ترتبه على إحراز القابلية - أولا - نعم، يجوز التمسك بالعمومات بعد إحراز الصدق العرفي والقابلية العرفية عند الشك في القابلية الشرعية المنبعث عن الشك في تخطئة الشارع لما هو عند العرف، أو تصرف منه فيه باعتبار شئ فيه، أو مانعية شئ عنه. فيدفع بالعمومات المتوجهة نحوهم الدالة على إمضاء ما هو المتعارف عندهم. إلا أن ما نحن فيه ليس من هذا القبيل، لمعلومية اختلاف الحقوق شرعا في جواز الاسقاط وعدمه، وجواز النقل وعدمه. وإنما الشك في اندراج المشكوك في أي قسم منهما مصداقا، وبالعموم لا يتميز المصداق - قطعا -.

Shafi 19