وشعر حسين بقلق وتوتر، وذكر ما انتهى إليه رأيه قبل حضوره بقلب خافق مضطرب، وتساءل فيما بينه وبين نفسه ترى هل من المناسب الآن الإقدام على الإفصاح؟! .. ومع أنه لم يجد من الجواب مشجعا إلا أنه أبى التراجع أو التأجيل، ونظر إلى الرجل بعينين حذرتين وتساءل: هل أستطيع أن أقابل الآنسة بهية؟
فقال الرجل بجزع وهو يلطم الهواء بظاهر كفه: ما الداعي لهذا؟ .. فلندعها وحدها، هذا خير ما يفعل!
وغلب التأثر الشاب، ترى ماذا تفعل المسكينة؟ وماذا أحدثت الصدمة بنفسها الرقيقة؟ وماذا هو فاعل؛ أيقدم أم ينكص؟ ألا يقع كلامه من هذا الجو المكهرب موقعا مضحكا! ولكنه شعر شعورا خفيا بأنه إذا تراجع هذه اللحظة فلن يقدم أبدا، وتنهد تنهدة عميقة أزاح بها التردد عن صدره وقال بسكينة ظاهرة يداري بها اضطرابه: سيدي، لا أدري كيف أعرب عما في نفسي، ولست أزعم أني اخترت وقتا مناسبا! ولكنني لا أستطيع أن أقاوم ما يدفعني إلى قول كلمة أخيرة، وهي أنني أرجو أن تبارك يوما رغبتي الصادقة في طلب يد الآنسة بهية!
واتسعت عينا الرجل دهشة وبدا أنه كان يتوقع كل شيء إلا هذا، ولعله أراد أن يتكلم ولكن أرتج عليه، أما حسين فكان قد عبر قمة أزمته فقال مستردا بعض هدوئه: لا تحسبن أن ما يدفعني إلى هذا الرجاء هو ما أشعر به حيال تصرف أخي من خجل، أو ما عسى أن تتصوره عطفا على حال الآنسة، كلا! وأقسم على هذا، إنها رغبة قائمة بذاتها، منبعثة أولا وآخرا من تقديري لكريمتكم ولكم.
وواصل فريد أفندي دهشته الصامتة، على حين استمد حسين من انطلاق لسانه وصمت الرجل شجاعة وحرارة فاستطرد قائلا: شيء واحد يحرجني في هذا المسعى كله، وهو ما أشعر به من أنني غير كفء لها.
فخرج الرجل عن صمته لأول مرة متمتما: لا تقلل من شانك يا حسين أفندي؛ أنت عندي بمنزلة الابن.
فقال حسين وقد تورد وجهه: شكرا.
وتفكر الرجل قليلا كالحائر ثم قال: لا يسعني إلا شكرك على رغبتك هذه، ويسرني - علم الله - أن تتحقق، ولكنك تدرك طبعا أن وقت التحدث بشأنها لم يأن بعد؟!
فقال حسين بحماس: هذا طبيعي جدا يا سيدي، وبوسعي أن أمد ... أعني أن أنتظر حتى يجيء الوقت المناسب.
وانتهى الحديث عند هذا الحد.
Shafi da ba'a sani ba