809

Farkon da Karshen

البداية والنهاية

Mai Buga Littafi

مطبعة السعادة

Inda aka buga

القاهرة

ثُمَّ قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ الْإِسْرَاءَ وَالْمِعْرَاجَ هَلْ كَانَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ كُلٌّ فِي لَيْلَةٍ عَلَى حِدَةٍ؟
فَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْإِسْرَاءَ فِي الْيَقَظَةِ، وَالْمِعْرَاجَ فِي الْمَنَامِ. وَقَدْ حَكَى الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ فِي شَرْحِهِ الْبُخَارِيَّ عَنْ طَائِفَةٍ أَنَّهُمْ ذَهَبُوا إلى أن الاسراء مرتين، مَرَّةٌ بِرُوحِهِ مَنَامًا، وَمَرَّةٌ بِبَدَنِهِ وَرُوحِهِ يَقَظَةً وَقَدْ حَكَاهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ السُّهَيْلِيُّ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ الفقيه. قال السهيليّ: وَهَذَا الْقَوْلُ يَجْمَعُ الْأَحَادِيثَ فَإِنَّ فِي حَدِيثِ شَرِيكٍ عَنْ أَنَسٍ وَذَلِكَ فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ وَتَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ فَإِذَا أَنَا فِي الْحِجْرِ وَهَذَا مَنَامٌ. وَدَلَّ غَيْرُهُ عَلَى الْيَقَظَةِ، وَمِنْهُمْ عن يَدَّعِي تَعَدُّدَ الْإِسْرَاءِ فِي الْيَقَظَةِ أَيْضًا حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا أَرْبَعُ إِسْرَاءَاتٍ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ بَعْضَهَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَقَدْ حَاوَلَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ ﵀ أَنْ يُوَفِّقَ بَيْنَ اخْتِلَافِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَاتِ حديث الاسراء بالجمع المتعدد فَجَعَلَ ثَلَاثَ إِسْرَاءَاتٍ، مَرَّةً مِنْ مَكَّةَ إِلَى البيت الْمَقْدِسِ فَقَطْ عَلَى الْبُرَاقِ، وَمَرَّةً مِنْ مَكَّةَ الى السماء عَلَى الْبُرَاقِ أَيْضًا لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ، وَمَرَّةً مِنْ مكة الى بيت المقدس ثم الى السموات.
فَنَقُولُ: إِنْ كَانَ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِهَذِهِ الثَّلَاثِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ فَقَدِ اخْتَلَفَ لَفْظُ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ صِفَاتٍ وَمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَى ذَلِكَ فلينظر فيما جمعناه مستقصيا فِي كِتَابِنَا التَّفْسِيرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ١٧: ١ وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا حَمَلَهُ أَنَّ التَّقْسِيمَ انْحَصَرَ فِي ثَلَاثِ صِفَاتٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ والى السموات فلا يلزم من الحصر العقلي والوقوع كَذَلِكَ فِي الْخَارِجِ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْعَجَبُ أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيَّ ﵀ ذَكَرَ الْإِسْرَاءَ بَعْدَ ذِكْرِهِ مَوْتَ أَبِي طَالِبٍ فَوَافَقَ ابْنَ إِسْحَاقَ فِي ذِكْرِهِ الْمِعْرَاجَ فِي أَوَاخِرِ الْأَمْرِ، وَخَالَفَهُ فِي ذِكْرِهِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ إِسْحَاقَ أَخَّرَ ذِكْرَ مَوْتِ أَبِي طَالِبٍ عَلَى الْإِسْرَاءِ، فاللَّه أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ فَرَّقَ بَيْنَ الْإِسْرَاءِ وَبَيْنَ الْمِعْرَاجِ فَبَوَّبَ لِكُلٍّ واحد مِنْهُمَا بَابًا عَلَى حِدَةٍ فَقَالَ: بَابُ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ وَقَوْلِ اللَّهِ ﷾ سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ١٧: ١ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ كُنْتُ فِي الْحِجْرِ فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ المقدس فطفقت أحدثهم عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ» . وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ بِهِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ. ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ بَابُ حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ:
حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ. قَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا فِي الحطيم- وربما قال في الحجر- مضجعا

3 / 115