Badr Munir
البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير
فالجواب في ذلك: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دل على علي والحسن والحسين بأعيانهم وأسمائهم بإجماعنا، ثم أخبرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم كيف الإمامة [77أ] بعد هؤلاء المسمين بأعيانهم فقال: ((إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، وهما الخليفتان من بعدي))(1) فبين بهذا الكلام الإمامة على الأبد على هذه الشريطة التي شرط وهي لزوم الكتاب، وأجمعنا نحن وأنتم على هذا الحديث، وروته الأمة عن غير تواطؤ فلم يسمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلانا بعد فلان ولا رجلا بعد رجل، وإنما جعل عليه السلام الخليفة من بعده من أهل بيته من عمل بالكتاب وذلك قوله: ((وهما الخليفتان من بعدي)) فتركتم أنتم ما اجتمعت الأمة على روايته وأجمعت الشيعة على استعماله، وقلتم بالرأي في دين الله، فقلتم : الإمامة وصية أوصى بها فلان إلى فلان بالإيماء فهو حجة الله على خلقه من تقدمه من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطأتموه وكذبتموه وضللتموه فلا يكون القول منكم بالرأي ناقضا لإجماعنا وإجماعكم، فنحن على الأصل الذي أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا نحدث في دين الله رأيا ولا اختيارا إلا ما شرط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من العمل بالكتاب؛ فإن كان من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عالم بكتاب الله وسنة نبيه عامل بذلك فهو الإمام الذي دل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل وقت وزمان، على المسلمين الأخذ عنه حلالهم وحرامهم وسنن نبيهم، فإذا دعاهم إلى نصرة الحق وجب عليهم نصرته؛ ولسنا نقول أن هذا خاص في بطن دون بطن، وليس لنا ولا لكم أن نحدث في دين الله بالرأي لأن الدين قد أكمل وقد بلغه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقصر في إبلاغه، فقد بين فرض الإمامة كيف هو في كل عصر وزمان، ولم يخلوا أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل عصر وزمان أن يكون فيهم المأمون على كتاب الله وسنة نبيه، علمه من علمه وجهله من جهله؛ لأن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يسقط لقوله: ((لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)) فهذا إجماع من قول من مضى من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأتقياء الأبرار الذين بهم يقتدى، ويقال لهم أيضا أنتم أصل مقالتكم طرح الرأي في دين الله والقياس، إذ زعمتم أن من تقدم أمير المؤمنين -صلى الله عليه وسلم- إنما كان ذلك بالرأي ولم تجيزوا ذلك، وزعمتم أن الذين اختاروا غيره أن ذلك رأي منهم وأن الرأي لا يجوز عندكم فيلزمكم أيضا طرح الرأي في الإمامة وفي غيرها بعد الحسن والحسين واختياركم الإمام بالرأي وإلا تركتم أصل ما ذهبتم إليه أولا إلا أن تزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إني تارك فيكم فلانا بعد فلان إلى يوم القيامة؛ فهذا لا تأتون به أبدا، وقد حرم الله القول عليه بغير علم فقال سبحانه: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله [77ب] ما لا تعلمون} فقد حرم الله القول عليه بغير علم ومن ذلك قولكم: إن الله فرض طاعة فلان بعد فلان باسمه ونسبه؛ فأوجبتم على الخلق فرضا لم يأمر الله به ولم يسنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد لقيني رجل من متكلمي أصحاب الإمامة يناظرني في مقالته فقلت له: أخبرني بما تثبت الإمامة لعلي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يقول رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((من كنت مولاه فعلي مولاه))(1) و((أنت مني بمنزلة هارون من موسى))(2) وأشباه ذلك، فقلت له: فهل ثبت للحسن من علي -صلى الله عليهما- في أمر الإمامة ما ثبت لعلي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى دل عليه كما دل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على علي -صلى الله عليهما-؟ فسكت فما أجاب وانقطع؛ وبيان ما يلزم القوم من ذلك أنهم زعموا أن الإمامة تثبت بالوصية أن يكون أمرها واحدا في أولها وآخرها فإذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في علي ودل عليه فكذلك يلزم في قولهم أن يكون علي قال في الحسن ودل عليه، وكذلك يقول الحسن في الحسين -عليهما السلام- حتى يسوقوا ذلك خبرا مشهورا متسقا به النقل عن غير تواطؤ من الأمة، كما نقلت الأمة أخبار علي بن أبي طالب-صلى الله عليه- مشهورة عن غير تواطؤ؛ لأن الإمامة أكبر الفرائض وأعظمها قدرا فلم يكن علي والحسن والحسين -صلى الله عليهم- ومن بعدهم من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليتركوا أن يبينوا عن فرض الإمامة إذ كانت من أعظم الفرائض خطرا وبها تقوم الفرائض حتى يأتي ذلك عنهم مشهورا معلوما تنقله الشيعة بإجماع عن غير تواطؤ، والوجه في ذلك عندنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أوجب الإمامة على أمته بما دلهم عليه من التمسك بعترته على ما شرط من لزوم الكتاب والعمل به لم يحتج أمير المؤمنين ولا الحسن ولا الحسين -صلى الله عليهم- ولا من بعدهم من أبرار آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن يجددوا شيئا غير ما دل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمر به؛ فهذا أصل القول في الإمامة وما لا يختلف فيه أحد من أهل النقل ولا يختلف فيه أحد من أصناف الشيعة في الاستعمال إذا أنصفوا.
Shafi 36