قوله: "القدر خيره وشره" المقصود بذلك الآلام والنقائص التي من الله تعالى والتخلية بين المكلف وأعدائه، وخيره الإحسان الصادر من الله تعالى إلى عبيده وجزاؤهم في الآخرة على الأعمال الصالحة، وإيجاب الواجبات عليهم، وفرض اجتناب المقبحات والنفس تنفر من ذلك والإحسان تحبه، فالإحسان في الدنيا، والآخرة حلوة -أعني القدر- والمر التكاليف الشاقة، والآلام، والنقائص، والتخلية؛ فهذه مرة، قال الله تعالى في ذلك: {وكان أمر الله قدرا مقدورا}(1) وقد دل في هذا الخبر أن الإسلام إذا كمل كان إيمانا، وإذا لم يكمل حقن الدم والمال وكانت الموارثة والطهارة لكن لا يكون أيضا مسلما منقادا حتى يصدق ويقر بجمل الإسلام كلها ويعرفها، ولا يكمل إسلامه حتى يكون إيمانا إلا بالعمل وهو إتيان بالواجب ومعرفته، واجتناب القبيح ومعرفته اجتهادا وأخذا من أفواه العلماء فيما لا يجب فيه الاجتهاد ومعرفة الدليل كما قررنا في هذا الكتاب في فصل [52أ] الاجتهاد، وقد دل هذا الخبر أن الله تعالى لا يقبل من العبد فريضة وهو مخل بفريضة أخرى يقدر عليها وهي مضيقة يمكنه فعلها، ثم أصر على تركها وبنى عليها في حال فعل الفريضة أو قبل فعلها، ثم دخل فيها وهو كذلك، فدل على أن الله تعالى لا يثبت العبد على فعل طاعة ولو حسن فعلها وهو تعالى عليه ساخط، ويقرر هذا قوله تعالى: {إنما يتقبل الله من المتقين}(2) وقد فصلنا هذا في باب الاحباط، وفرقنا بين الفرائض التي يكفر تاركها مطلقا تمردا أو استحلالا، وبين التي دون ذلك، وذكرنا أن الطاعات مهما لم يكفر صاحبها بترك بعضها استحلالا في القطعي العملي وفي العلمي مطلقا أي: استحلالا أو تمردا تجزيه منه فلا يجب عليه إعادتها ولو لم يثب عليها إذا كان فاسقا بفعل كبيرة مصرا عليها غير تائب، فقد قررنا هنالك ما فيه كفاية بأدلته فليرجع إليه، وإنما نذكر هذه الأحاديث لما فيها من شبه المجبرة ونحوهم لئلا يحتجوا علينا بها، فنذكرها ونتأولها على وجوهها التي يطابق بها المحكم كما يتأول متشابه القرآن.
فصل أصل الإرجاء
اعلم أن أصل الإرجاء في هذه الأمة ومن قال الإيمان قول بلا عمل، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهم وأخبر أنهم لعنوا على لسان سبعين نبيا وقال صلى الله عليه وآله وسلم فيهم حين سئل عنهم فقال: ((هم الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل))(1).
Shafi 256