كان لزاما علي أن أكتم عواطفي بين جوانحي، كان لزاما علي أن أدسها دسا في أعماق فؤادي، هذا إلى ما بذلته جاهدا أن أستعيد للحزب ولائي، فلئن كان ذلك ضرورة في الظروف المعتادة، فقد كان عندئذ أشد ضرورة؛ لأن حركة التطهير قد نشرت قلاعها للريح.
عينت مئات من لجان التطهير، ولم يكن ليمضي طويل وقت قبل أن تعقد تلك اللجان اجتماعاتها العلنية في المصانع والمكاتب ودور الحكومة والمعاهد ، وكان على كل شيوعي في البلاد أن يذعن لما يطالب به من محاكمة واعتراف، واشتد شعورنا عندئذ بأننا محاطون من كل جانب بالعيون الرواصد والآذان المنصتة، تلك العيون والآذان التي تخفى عن النظر لكنك تحس وجودها في كل مكان، وكذلك اشتد شعورنا بالأضابير الضخمة التي سجلت في أوراقها دخائل حياتنا الخاصة ومكنون أفكارنا، وبأعدائنا الذين قد ينتهزون مثل هذه الفرصة فيبرزوا ما لنا من سقطات، ما هو حقيقي منها وما هو من نسج الخيال.
كان السؤال الذي يسبق إلى ذهني وإلى ذهن كل شيوعي إذ ذاك هو هذا: ترى هل تمضي عني موجة هذه المحنة سالما؟ هذا سؤال رن صداه في كل وجه من وجوه نشاطنا، وفي كل عبارة من أحاديثنا، لم نعد ندبر للمستقبل سبيلا، فلا مستقبل هناك إلا إذا اجتزنا في سلام تلك العقبة الكأداء.
كنت ترى في كل طابق من طوابق معهد سبك المعادن صندوقا خاصا أعد لتلقى به «الإقرارات» عن الشيوعيين، ممهورة بتوقيع مرسلها أو غفلا من التوقيع، وواصل أعضاء «القسم الخاص» خلف بابهم الحديدي ليلهم بنهارهم يرتبون تلك الشكاوى ويبوبونها ويقارنونها بعضها ببعض، فوقت التطهير هو الموسم الذي يتيح لكل إنسان أن يتصيد من يكن له ضغينة، هو الموسم الذي يفسح المجال للحاسدين والناقمين والمرائين.
كانت كل لجنة من لجان التطهير تتألف عادة من عضوين أو ثلاثة أعضاء وعليهم رئيس، كلهم من رجال الحزب الذين لا تشوب ولاءهم شائبة، ومثل هذه اللجنة تكون بمثابة المحكمة، لها حق الاتهام وحق القضاء في آن معا، وكان رئيس اللجنة التي عقدت في المعهد رجلا اسمه الرفيق «جالمبو»، وهو رجل ارتفع فيما بعد إلى منصب وزير الشعب لصناعة سبك الحديد.
فإذا ما تبين لإحدى اللجان عن أحد أنه معيب سحبت منه تذكرة الحزب وأصبح عضوا سابقا، وهو أمر يختلف كل الاختلاف عن كونه لا ينتمي إلى الحزب عضوا من أعضائه، فمن ينعت بأنه عضو سابق فهو طريد لن يكون أهلا للثقة حتى ختام حياته، ولا سبيل أمامه للرقي، وإذا ما حزب البلاد أمر، عد هذا العضو السابق خطرا على الشعب، إن أفظع ما ينزل بعضو الحزب من نكبات هو أن يطرده الحزب من عضويته؛ لأن ذلك يجعل منه مجذوما سياسيا يجتنبه الأصدقاء السابقون وينكره الأقرباء الذليلون، وإذا ما التقيت به عرضت نفسك لخطر سياسي وهو أن توضع في القائمة السوداء.
إذن فقد كان هناك من الأسباب ما يكفي لتبرير هزة الخوف التي ارتجف بها المعهد كله حين اقتربت منه موجة التطهير، وكان ذلك حين دنا عام 1933م من ختامه، وإنه لخوف كانت به مسحة من هوس، فالصحف تنشر القوائم بمن جاء دورهم في التطهير وأين ينتظر أن تقع عليهم الواقعة، ولكل إنسان أراد الوقيعة بمن دنا دوره أن يرسل اتهاما إلى لجنة التحقيق فيضاف إلى ما جمعه الحزب فعلا في ملفاته وفي «ملفات» الشرطة السياسية، ولئن كان من الطبع الإنساني أن تغتبط إذا ما نزلت النوازل بجيرانك الذين يعلونك مقاما أو يسبقونك في الحياة نجاحا، فلقد زادت الآن هذه الحركة التطهيرية تلك الميول الفطرية شدة وسعيرا.
وبالطبع كان الشرط الأول لاحتفاظك بعضوية الحزب هو أن تكن للقادة ولاء لا ذبذبة فيه، وأن يكون ولاؤك ناصعا لا تشوبه شائبة ل «ستالين» بوجه خاص، وإنه ليكفي أن يقول عنك فلان عن فلان عن فلان تلميحا خفيفا يفيد «انحرافك» عن جادة الولاء الخالص، لكي تورد موارد الهلاك، بل إن أخص خصائص الحياة الداخلية لمن وقع عليه التطهير، وما يدور في رأسه من خواطر في كل الشئون كائنة ما كانت، استهدف لهجمات الناس علانية دون أن يروا في ذلك ما يعاب، وكانت إجراءات التحقيق تحتوي على أفظع الفظائع التي عرفت في حمل المتهم على الاعتراف، وفي جعله عرضة لشهادة الزور وفريسة لألوان التعذيب على أيدي الشيوعيين، أما الفريسة القنيصة فقد كانت ترى وقت المحاكمة محنة رهيبة، وأما النظارة فكانوا في أغلب الأحيان كأنما يشاهدون مسرحا لترويض الوحوش، وكان حضور هذه المحاكمات خلال أسابيع التطهير كلها إلزاما محتوما على كل من ينتمي للحزب، وأما من ليسوا في الحزب أعضاء من غمار الشعب فيغرونهم بالحضور بشتى وسائل التشجيع.
ولم يكن أحد من الشيوعيين ليخطر قبل محاكمته بالتهم التي يكون في النية توجيهها إليه، فكانت هذه القلقلة أشد ما يحرج الصدر من عناصر المأساة، إذ كان عليك أن تتحسس طريقك في الظلام لتكون على أهبة لما عسى أن يفجأك من مباغتات، فتستعرض ماضيك مرة بعد مرة متسائلا: ترى من أين يأتي الخطر؟
ألم يحدث مرة أنك أفرطت في الحديث ذات مساء منذ ثلاثة أعوام مدفوعا في حديثك بما بعثته روح الزمالة في نفسك من طمأنينة؟ قد يكون واحد من هؤلاء الزملاء الذين ركنت إلى حسن طويتهم وشى بك منبئا بما أفرطت به من ملاحظات. إن أحد أعمامك كان ضابطا في عهد القياصرة، نعم قد لا تكون التقيت به أبدا، ولكن ماذا لو حدث أن أحدا استخرج هذا الشبح من مكمنه وإذا أنت متهم «بإخفائه» عن الحزب، إن امرأة كنت أحببتها قبض عليها بعد حبك إياها بتهمة الانحراف نحو اليمين؟ ماذا لو فوجئت بتهمة يقذفونك بها قذفا لعلاقة نشأت بينك وبين من يعادي النظام الاجتماعي؟ إن «بافلوف» ينتظر له الإبعاد من الحزب، فكيف أنسلخ عنه قبل أن يجرني معه إلى مهوى الدمار؟ انج بجلدك على أي نحو ومهما تكن الظروف؛ لأنك ها هنا إنما تخاطر بالحياة نفسها.
Shafi da ba'a sani ba