At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid
التوضيح الرشيد في شرح التوحيد
Nau'ikan
- المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) بَعْضُ الآثَارِ الَّتِيْ فِيْهَا شُبْهَةُ التَّبَرُّكِ بِالأَمَاكِنِ، كَمِثْلِ:
- مَا فِيْ البُخَارِيِّ (١) عَنْ مُوْسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: رَأَيْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَتَحَرَّى أَمَاكِنَ مِنَ الطَّرِيقِ فَيُصَلِّي فِيْهَا وَيُحَدِّثُ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يُصَلِّي فِيْهَا؛ وَأَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي تِلْكَ الأَمْكِنَةِ.
- مَا فِي المُتَّفَقِ عَلَيْهِ (أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَعْمَى؛ وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ: يَا رَسُوْلَ اللهِ؛ إِنَّهَا تَكُوْنُ الظُّلْمَةُ وَالسَّيْلُ، وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيْرُ البَصَرِ، فَصَلِّ يَا رَسُوْلَ اللهِ فِي بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلَّى. فَجَاءَهُ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: (أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ؟) فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ مِنَ البَيْتِ فَصَلَّى فِيْهِ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ. (٢)
وَالجَوَابُ:
١) أَنَّ فِعْلَ ابْنِ عُمَرَ لَيْسَ فِيْهِ التَّبَرُّكُ بِالمَكَانِ وَإِنَّمَا فِيْهِ دِلَالَةٌ عَلَى شِدَّةِ الاقْتِدَاءِ وَالمُتَابَعَةِ وَالتَّشَبُّهِ، فَهُوَ حَرِيْصٌ عَلَى بَرَكَةِ الاقْتِدَاءِ، لَا عَلَى بَرَكَةِ المَكَانِ. (٣)
فَفَرْقٌ بَيْنَ النيَّتِيْنِ، نِيَّةِ التَّبرُّكِ بِالمَكَانِ وَالتِمَاسِ الخَيْرِ فِي البُقْعَةِ، وَبَيْنَ نيَّةِ الاقْتِدَاءِ بِالأَفْعَالِ، فَابْنُ عُمَرَ لَمْ يَنْظُرْ إِلَى المَكَانِ، وَإِنَّمَا نَظَرَ إِلَى الفِعْلِ الَّذِيْ جَرَى عِنْدَهُ.
وَمَعَ هَذَا فَمَا يُؤْمَنُ مِنَ الفِتْنَةِ عَلَى مِثْلِ ابْنِ عُمَرَ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَى مِثْلِ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُم مِمَّنْ لَا يَعْرِفُوْنَ الجَاهِلِيَّةَ وَالشِّرْكَ، كَمَا نُقِلَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ (إِنَّمَا تُنْقَضُ عُرَى الإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً؛ إِذَا نَشَأَ فِي الإِسْلَامِ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الجَاهِلِيَّةَ). (٤) (٥)
٢) أَنَّ هَذَا الفِعْلَ هُوَ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ ابْنُ عُمَرَ ﵁ عَنْ بِاقِي الصَّحَابَةِ، بَلْ خَالَفَهُ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ - أَبُوْهُ ﵁ كَمَا مرَّ مَعَنَا قَبْلَ قَلِيْلٍ - وَقَوْلُهُ مُقَدَّمٌ عَلَى رَأْي ابْنِهِ عِنْدَ الخِلَافِ بِاتِّفَاقٍ (٦)، كَمَا فِي حَدِيْثِ العِرْبَاضِ (فَعَلَيكُمْ بِسُنَّتِيْ وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ المّهْدِيِّينَ). (٧) (٨)
٣) وَأَمَّا حَدِيْثُ عِتْبَانَ ﵁؛ فَالمَقْصُوْدُ مِنْهُ أَنَّ عِتْبَانَ أَرَادَ بِنَاءَ مَسْجِدٍ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ، فَأَحَبَّ أَنْ يَكُوْنَ مَوْضِعًا - يُصَلِّي لِهُ فِيْهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ بَيْتِهِ، لِيَكُوْنَ النَّبِيُّ هُوَ الَّذِيْ رَسَمَ ذَلِكَ المَسْجِدَ، كَمَا أنَّه بَنَى مَسْجِدَ قُبَاء وَمَسْجِدَهُ هُوَ. فَالمَقْصُوْدُ إِذًا هُوَ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ المَكَانُ مَشْرُوْعِيَّةَ كَوْنِهِ مَسْجِدًا. (٩)
٤) أَنَّ كُلَّ خِيْرٍ فِي إِتِّبَاعِ مَنْ سَلَفَ، وَكُلَّ شَرٍّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفَ؛ فِإِنَّ طُرُقَ مَكَّةَ وَالمَدِيْنَة كُلَّهَا كَانَتْ مَمْشَى لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَمَعْ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَتَبَرَّكُوا بِالطُّرُقِ وَغَيْرِهَا، فَالمَقْصُوْدُ مِنْ هَذَا أَنَّ السَّلَفَ - سَلَفَ الأُمَّةِ - كَانُوا يُنْكِرُوْنَ التَّبَرُّكَ بِالآثَارِ المَكَانِيَّةِ، وَيُنْكِرُوْنَ تَحَرِّيْهَا وَالتَّعَلُّقَ بِهَا رَجَاءَ بَرَكَتِهَا، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلَّا ابْنُ عُمَرَ ﵄، فَقَدْ كَانَ يَتَتَبَّعُ الأَمَاكِنَ الَّتِيْ صَلَّى فِيْهَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فَيُصَلِّي حَيْثُ صَلَّى وَنَحْو ذَلِكَ. وَمَا نُقِلَ نَقْلٌ مُصَدَّقٌ عَنْ غَيْرِ ابْنِ عُمَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ فِي الآثَارِ المَكَانِيَّةِ. (١٠)
_________
(١) البُخَارِيُّ (٤٨٣).
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٦٧)، وَمُسْلِمٌ (٤٥٥/ ١).
(٣) وَفِي سُنَنِ البَيْهَقِيِّ الكُبْرَى (١٠٣٠١) عَنْ نَافِعٍ؛ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبُوْرِ الشُّهَدَاءِ عَلَى نَاقَتِهِ رَدَّهَا هَكَذَا وَهَكَذَا، فَقِيْلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إنِّي رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ فِي هَذَا الطَّرِيقِ عَلَى نَاقَتِهِ. فَقُلْتُ: لَعَلَّ خُفِّي يَقَعُ عَلَى خُفِّهِ.
وَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ العُكْبرِيُّ ﵀ فِي الإِبَانَةِ الكُبْرَى (٢٦٢/ ١) عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ؛ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ اللهَ ﷿ قَدْ أَوْسَعَ، وَالبُرُّ أَفْضَلُ مِنَ التَّمْرِ. قَالَ: (إِنَّ أَصْحَابِي سَلَكُوا طَرِيْقًا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْلُكَهُ).
(٤) أَوْرَدَهُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الفَوَائِدُ) (ص١٠٩).
(٥) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (٤٢٧/ ٣): (وَقَدْ رَخَّصَ أَحْمَدُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ، وكَرِهَ مَا أَحْدَثَهُ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الغُلُوِّ وَالإِفْرَاطِ وَالأَشْيَاءِ المُحْدَثَةِ الَّتِيْ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الشَّرِيْعَةِ).
وَقَالَ أَيْضًا ﵀: (وَقَدْ نَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ القَاسِمِ وَسِنْدِيُّ الخَوَاتِيْمِيُّ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ؛ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ إِتْيَانِ هَذِهِ المَسَاجِدِ؟ فَقَالَ: (أَمَّا عَلَى حَدِيْث ابْنِ أُمِّ مَكْتُوْم: أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ فَيَتَّخِذَهُ مُصَلَّىً، وَعَلَى مَا كَانَ يَفْعَلُ ابْنُ عُمَرَ - يَتَّبُعُ مَوَاضِعَ النَّبِيِّ وأثَرَهُ؟ - فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْتيَ الرَّجُلُ المَشَاهِدَ، إِلَّا أَنَّ النَّاسَ قَدْ أَفْرَطُوا فِي هَذَا، وَأَكْثَرُوا فِيْهِ).
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ القَاسِمِ: أَنَّ أَحْمَدَ ذَكَرَ قَبْرَ الحُسَيْنِ - وَمَا يَفْعَلُ النَّاسُ عِنْدَهُ - يَعْنِي: مِنَ الأُمُوْرِ المَكْرُوْهَةِ المُحْدَثَةِ.
وَهَذَا فِيْهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الإِفْرَاطَ فِي تَتَبُّعِ مِثْلِ هَذِهِ الآثَارِ يُخْشَى مِنْهُ الفِتْنَةُ، كَمَا كُرِهَ اتِّخَاذُ قُبُوْرِ الأَنْبِيَاءِ مَسَاجِدَ، وَقَدْ زَادَ الأَمْرُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ النَّاسِ حَتَّى وَقَفُوا عِنْدَهُ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ كَافٍّ لَهُم، وَاطَّرَحُوا مَا لَا يُنْجِيْهِم غَيْرُهُ، وَهُوَ طَاعَةُ اللهِ وَرَسُوْلِهِ).
(٦) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (١٨٠/ ٣) - نَقْلًا عَنِ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ فِي كِتَابِهِ (الاسْتِذْكَارُ) (٣٦١/ ٢): (وَقَالَ: ذَكَرَ مَالِكُ بِإِثْرِ هَذَا الحَدِيْثِ (أَيْ: حَدِيْثِ المَعْرُورِ عَنْ عُمَرَ فِي النَّهْي عَنْ تتبُّعِ الآثَارِ) حَدِيْثَ عِتْبَان بْنِ مَالِكٍ؛ لِيُبَيِّنَ لَكَ أَنَّ مَعْنَى هَذَا الحَدِيْثَ مُخَالِفٌ لِلذِيْ قَبْلَهُ).
(٧) صَحِيْحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٦٧٦). صَحِيْحُ الجَامِعِ (٢٥٤٩).
(٨) قَالَ البَغَوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (شَرْحُ السُّنَّةِ) (٢٠٧/ ١) - عِنْدَ شَرْحِ حَدِيْث العِرْبَاضِ -: (وَفِيْهِ دَلِيْلٌ عَلَى أَنَّ الوَاحِدَ مِنَ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ إِذَا قَالَ قَوْلًا - وَخالَفَهُ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ -؛ كَانَ المَصِيْرُ إِلَى قَوْلِهِ أَوْلَى، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي القَدِيْمِ).
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (جَامِعُ العُلُوْمِ وَالحِكَمِ) (١٢٥/ ٢) - فِي شَرْحِ نَفْسِ الحَدِيْثِ -: (وَبِكُلِّ حَالٍ، فَمَا جَمَعَ عُمَرُ عَلَيْهِ الصَّحَابَةَ - فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فِي عَصْرِهِ - فَلَا شَكَّ أَنَّه الحَقُّ، وَلَوْ خَالَفَ فِيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْ خَالَفَ).
(٩) كَمَا فِي قِصَّةِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ الَّذِيْ بَنَاهُ المُنَافِقُوْنَ، وَأَرَادُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ فِيْهِ لِيَكُوْنَ مَشْرُوْعًا لَهُم وَلِغَيْرِهِم الاجْتِمَاعُ فِيْهِ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيْرِ (٢١١/ ٤) - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَا تَقُمْ فِيْهِ أَبَدًا﴾ (التَّوْبَة:١٠٨) -: (فَشَرَعُوا فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ مُجَاوِرٍ لِمَسْجِدِ قُبَاء، فَبَنَوْهُ وَأَحْكَمُوْهُ، وَفَرَغُوا مِنْهُ قَبْلَ خُرُوْجِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى تَبُوْكٍ، وَجَاءُوا فَسَأَلُوا رَسُوْلَ اللهِ ﷺ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيْهِم فَيُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِهِم - لِيَحْتَجُّوا بِصَلَاتِهِ ﵇ فِيْهِ عَلَى تَقْرِيْرِهِ وَإِثْبَاتِهِ - وَذَكَرُوا أَنَّهُم إِنَّمَا بَنَوْهُ لِلضُّعَفَاءِ مِنْهُم وَأَهْلِ العِلَّةِ فِي اللَّيْلَةِ الشَّاتِيَةِ، فعَصَمَهُ اللهُ مِنَ الصَّلَاةِ فِيْهِ؛ فَقَالَ: (إنَّا عَلَى سَفَرٍ، وَلَكِنْ إِذَا رَجَعْنَا إِنْ شَاءَ اللهُ).وَأَمَرَ بِهَدْمِهِ).
(١٠) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (٤٢٨/ ٣): (وَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ مَشْهُوْرًا بِتَتَبُّعِ آثَارِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمِنْ ذَلِكَ صَلَاتُهُ فِي المَوَاضِعِ الَّتِيْ كَانَ يُصَلِّي فِيْهَا. وَهِيَ عَلَى نَوْعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْصُدُهُ لِلصَّلَاةِ فِيْهِ، كَمَسْجِدِ قُبَاءَ، وَيَأْتِيْ ذِكْرُهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنَ (الكِتَابِ) إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
وَالثَّانِي: مَا صَلَّى فِيْهِ النَّبِيُّ ﷺ اتِّفَاقًا لِإِدْرَاكِ الصَّلَاةِ لَهُ عِنْدَهُ، فَهَذَا هُوَ الَّذِيْ اخْتَصَّ ابْنُ عُمَرَ بِإِتِّبَاعِهِ).
1 / 64