أما أركاديوس فلبث ينظر إلى أرمانوسة حتى توارى قاربها عن نظره، فوقف برهة كاسف البال يتأمل فيما يتهدده من الخطر، وما يحول بينه وبين حبيبته من العوائق، وبقي برهة على هذه الحالة حتى دعاه أحد جنود الحامية أن يذهب إلى أبيه لأمر يريده فيه، فسار حتى دخل على أبيه، فإذا هو جالس وحوله أرباب مجلسه يتداولون فيما هم فيه، فلما دخل حيا والده وجلس إلى جانبه، فآنس والده شيئا من الارتباك في وجهه فابتدره قائلا: «ما لي أرى أثر الانقباض في وجهك يا أركاديوس؟ هل داخلك خوف من أمر العرب؟» قال ذلك وهو يبتسم كأنه يمازحه.
فانتبه أركاديوس لحاله، وأظهر الاستغراب قائلا: «أنت تعلم يا أبتاه أني لا أخاف الموت، ولا أحسب للحرب حسابا، فكيف تقول إني خائف؟ وما الذي يخيفني وأنا تحت جناحك؟ لا سيما أني رأيت هؤلاء العرب، وعلمت من ضعفهم وقلتهم ما لا تعلمون، وأما ما ظننته في من الارتباك فإنما هو شدة اهتمامي بالاستعداد وتهيئة الوسائل لدفع الأعداء، ولا شك في فوزنا عليهم بإذن الله وهمة أبطال الروم.»
وأشار إلى الحضور، فأجابوه جميعا: «إننا بين يديك متفانون في سبيل الرومان، ضاربون بسيف جلالة الإمبراطور إلى آخر نسمة من حياتنا.»
فأثنى الأعيرج على غيرتهم وصرفهم، فخرجوا يجرون سيوفهم وطيالسهم، فلما خلا الأعيرج بابنه أوصد الباب ودعاه إلى القرب منه وقال له: «أطلعني يا أركاديوس على ما خبرته من أمر هؤلاء العرب وقوتهم مما عاينته وشهدته، ودع الاستخفاف والبسالة جانبا، وقل كيف استطاع هؤلاء البدو فتح حصون الفرما وبلبيس مع ما ذكرته من ضعفهم وقلتهم، ونحن نعلم أن حامية بلبيس قوية وحصونها منيعة؟»
فصمت أركاديوس برهة يفكر ولم يبد جوابا لعلمه أن العرب لم يستطيعوا ما استطاعوه إلا بما أعارهم القبط من العون سرا وجهرا، وتذكر أمر أرمانوسة وحماية عمرو لها، وما لاقته من الحفاوة والإكرام، وأيقن أن ذلك لم يكن نتيجة خلق العرب فقط، وحدثته نفسه أن يصرح بما خامره من الشك، ولكنه خاف أن يزيد الخرق اتساعا، فتزداد الهوة الحائلة بينه وبين أرمانوسة، وكان أبوه يرقب ارتباكه، وينتظر جوابه بفارغ الصبر، فلما أبطأ في الجواب أعاد السؤال قائلا: «مالي أراك صامتا لا تجيب؟ أفصح وقل الصدق ولو كان علينا، فإن ذلك أول معدات الدفاع، لأننا إذا عرفنا قوة عدونا وثقل وطأته عرفنا السبيل الصواب إلى دفعه.»
فلم يدر أركاديوس بم يجيب؟ وخاف أن يسيء أبوه الظن به فتبسم وأظهر الاستخفاف وقال: «لم يكن سكوتي لشيء مما خامر ذهنك، ولكنني كنت أفكر في السبب الحقيقي فلم أهتد إليه، على أني أعلم أن الحرب سجال يوم لنا ويوم علينا، فلا عجب إذا انتصر العرب على بعض حصوننا الضعيفة، فلعل الله قدر أن يكون دفعهم على أيدينا فننال الفخر دون جند الروم بمصر.»
فقال الأعيرج: «بورك فيك يا ولداه، فأوص رجالك بالثبات، وشجعهم، وتفقد مراميهم وأسلحتهم. والاتكال على الله، ولا تنس الجسر بين الحصن والجزيرة فإننا كنا قد نزعناه ثم أعدناه لحاجة اقتضت إعادته، فأمر بنزعه لئلا يكون للعرب سبيلا للوصول إلى منف، وكذلك الجسر بين الجزيرة والبر الغربي، اعمل على إعادته لكي نتمكن من جلب المئونة والذخيرة من منف عند الحاجة، وبث العيون في جهات بلبيس لينبئونا بقدوم العرب، فنكون على بينة من أمر مسيرهم، فلا يأتوننا على غرة، وأوصيك وصية أخرى أرجو ألا تنساها ولا أظنك تجهلها، وهي أن تحذر المقوقس ورجاله، فإنهم يمالئون العرب علينا.»
ثم افترقا، وسار أركاديوس إلى قلعته، فأوصى الجند بنزع الجسر، وإعادة الجسر الآخر الموصل إلى منف، وبعث الجواسيس إلى بلبيس، وأوصاهم باليقظة ليراقبوا حركات العرب، فإذا علموا بمسيرهم نحو الحصن عادوا إليه بالخبر، ثم تحول إلى غرفته، وكان الليل قد أسدل نقابه، فنزع خوذته وسلاحه وجلس إلى النافذة المطلة على النيل، وقد هدأ الجو، وأوت الطيور إلى أوكارها، وهب النسيم عليلا، وجرى النيل بإزاء الحصن هادئا، وأطل البدر من وراء الأفق فأرسل أشعته على سطح الماء تتلألأ تلألؤا ضعيفا، فأرسل نظره إلى جهة منف، حيث تقيم أرمانوسة، وتصور حاله معها وما هو فيه، فغلبت عليه الهواجس، وتراكمت عليه الهموم، فانقبضت نفسه، وأظلمت الدنيا في عينيه، وتحير في أمره، فخيل له أن العرب سيغلبون بما نالوه من عون القبط، فارتعدت فرائصه، وثقل عليه عار الانكسار، فقال في نفسه: «إني لأوثر الموت على الفرار، ولكن أرمانوسة جعلت الحياة عزيزة علي.» ثم عاد فتصور أنهم تغلبوا على العرب وأعادوهم القهقرى، وأخذ يفكر فرأى أن ذلك أيضا لا ينيله بغيته من أرمانوسة، لما يعلمه مما بين أبويهما من الضغائن والأحقاد، فلبث يفكر في ذلك حتى شعر بالتعب والنعاس، فذهب إلى فراشه ينتظر ما يأتي به القدر، وقضى معظم اليوم الثاني في التأهب.
وفي مساء ذلك اليوم جاءهم الجواسيس ينبئونهم بإقلاع العرب عن بلبيس، وقدومهم نحو الحصن. فهاج الناس وماجوا، وأخذوا يطلون من المنافذ والمرامي ليشاهدوا العرب قادمين، فقضوا ليلتهم ساهرين بعدتهم وسلاحهم، والعرب لم يصلوا، وفي صباح الغد شاهدوا الغبار يتطاير من وراء المقطم، فتحولوا إلى شمالي الحصن يراقبون وصول العرب، فلما كان الضحى تكاثر الغبار وبانت من ورائه الأعلام والفرسان والهجانة، ثم وصلت الساقة، وعسكر الجميع في البقعة التي بين الحصن والمقطم، وكانت كلها بساتين وغياضا لا شيء من العمارة فيها إلا بعض الأديار القائمة مبعثرة هنا وهناك، فنصبوا خيامهم فيما هو الآن جامع عمرو وما يحيط به، فشاهدهم الروم يضربون خيامهم، وينصبون أعلامهم، وكان أركاديوس في جملة الناظرين، فتذكر أيام بلبيس وما كان من أمره هناك.
أما المقوقس فتظاهر بالاهتمام والرغبة في دفع العرب، وذهب إلى الأعيرج وكلمه في شأن معدات الدفاع، وكان الأعيرج يكتم ما يعلمه عن المقوقس والعرب، فأجاب: «إننا لا نلبث أن نعيدهم على أعقابهم، وهم إنما غرهم ما لاقوه من ضعف حامية بلبيس.»
Shafi da ba'a sani ba