الشريف المنقول عن الكافي بسنده الى سفيان بن عيينة (راوي الحديث العشرين) قال :
«سألته عن قول الله عز وجل : « إلا من أتى الله بقلب سليم » . قال : القلب السليم الذي يلقى ربه وليس فيه احد سواه قال : وكل قلب فيه شرك او شك فهو ساقط وانما اراد بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة» (1) .
ومن المعلوم ان القلوب التي استقبلت غير الحق وتعرضت لهزات الشك والشرك سواء كان الشرك جليا أم خفيا فهي ساقطة في محضر القدس الربوبي . وإن من الشرك الخفي الاعتماد على الأسباب والركون الى غير الحق .
وقد ورد عن أبي عبد الله عليه السلام أن الشرك أخفى من دبيب النمل وقال : منه تحويل الخاتم ليذكر الحاجة وشبه هذا (2) . ودخول غير الحق المتعالي الى القلب يعد من الشرك الخفي . واخلاص النية هو اخراج غير الحق سبحانه من مقام الذات المقدس القلب .
وكما أن للشرك مراتب ، يكون للشك مراتب ايضا ، وأن منها الشك الجلي ، ومنها الشك الخفي . وتحصل هذه المراتب نتيجة ضعف في اليقين ونقصان في الايمان . إن مطلق الاعتماد على غير الحق سبحانه والالتفات الى المخلوق يكون من جراء ضعف اليقين والايمان ، كما أن التزلزل في الامور نتيجة لذلك ايضا . ومرتبة اخفاء الشك ، حالة من التلون في القلب وعدم التمكين في التوحيد . فالتوحيد الحقيقي ، هو اسقاط الاضافات والتعينات والكثرات ، حتى كثرات الاسماء والصفات ، والتمكين فيه يكون بالخلاص من الشك . وإن القلب السليم ، هو القلب الفارغ من مطلق الشرك والشك . وفي هذا الحديث الشريف القائل «وإنما أراد بالزهد ...» إشارة الى ان الغاية من الزهد في الدنيا هو انصراف القلب شيئا فشيئا عن الدنيا وتنفره عنها ، وتوجهه الى المقصود الاصلي والمطلوب الواقعي الحق المتعالي .
ويبدو من صدر الحديث المروي عن سفيان بن عيينة ان المقصود من الآخرة النهاية القصوى لدائرة الوجود ، ونهاية الرجوع . وهي الآخرة بالقول المطلق . فعليه تكون الدنيا كل دائرة الظهور ، والزهد فيها يستلزم خلوص القلب من غير الحق تعالى . فكل من في قلبه غير الحق عز وجل ، ينتبه الى غيره سبحانه من دون فرق بين أن يكون هذا الغير من الامور الملكية المادية أو الامور المعنوية ومن دون فرق بين أن تكون الصورة اخروية او من الكمالات الاربعون حديثا :305
Shafi 304