ولم يطل بقائي هناك ثم رن الجرس وقام السكرتير مسرعا إلى غرفة المحقق وهو المدعي العام نظرا لخطورة التهمة.
ثم خرج بعد قليل ونادى باسمي، فألقيت عقب السيجارة على الأرض ودستها بقدمي في شيء من التحدي، وسرت نحو الغرفة رافعا رأسي، حتى دفع السكرتير الباب بيده، ونقر عليه بأصبعه مستأذنا فدخلت بغير أن ألتفت إليه، ووجدت نفسي في غرفة صغيرة ليس فيها سوى كرسي كبير من الجلد يجلس عليه الأستاذ علي مختار، وكرسي آخر يجلس عليه كاتب النيابة.
فالتفت حولي لفتة توحي بأني أبحث عن كرسي لأجلس عليه فقال المحقق هادئا: لا مؤاخذة فإن المقاعد قليلة، ولن نحتاج إلى وقت طويل.
وأخذ يقلب في ملف الأوراق التي أمامه على المكتب، وكاد الغضب يدفعني إلى أن أحتج لولا أن الأستاذ علي مختار نظر إلي باسما، وأشار إلى جانب كرسيه الجلدي لأجلس عليه، فوجدتها فرصة لإظهار ما في نفسي من التحدي، وجلست على طرف ذراع الكرسي ووضعت ساقا على أخرى.
ولم يخف عني ما داخل المدعي العام من الامتعاض، فشعرت بارتياح جعلني أنتظر هادئا.
وسألني قائلا بعد المقدمات المعروفة: ماذا تقصد بقولك: «هذا العهد التعس؟»
فقلت في فتور: لست أفهم أولا ما هي تهمتي، ما هو الموضوع الذي جئت من أجله؟ وأي مقال هذا الذي تشير إليه؟ وهل تقصد مقالا أم تقصد كلمة قلتها في الطريق؟
فقال في شيء من الامتعاض: طبعا هنا نيابة الصحافة، وهذا مقالك الذي كتبته بالأمس.
فقلت في دفعة: هذا كلام بسيط واضح ليس فيه غموض، أقصد هذا العهد التعس الذي نعيش فيه اليوم، هذا العهد الذي أهدرت فيه القيم الإنسانية وكل الأقداس القومية وكل أصول الحكم المستقيمة، حتى بلغ الأمر إلى ما نراه كل يوم ونسمعه كل يوم، وحتى أصبح الناس لا يستطيعون أن ...
وكدت أمضي في شبه محاضرة عن فساد الأحوال، ولكن المدعي العام قاطعني قائلا: هذا غير ما أقصد، فإني أسألك عما تقصد بكلمة العهد، فإن العادة أن تستعمل كلمة العهد إذا قصد الملك.
Shafi da ba'a sani ba