كنت بالجامعة حينما اتصلت بي «ابتهال» وطلبت مني ألا أرد على التليفونات، وأن أعود إلى البيت لأمر مهم. لم يكن الأمر يحتاج إلى ذكاء؛ فاليوم كان موعد النطق بالحكم. فكتبت بيانا عنوانه «أنا أفكر فأنا مسلم»، أرسلته إلى مجلة «روز اليوسف»، التي نشرته في عددها في الثاني عشر من أغسطس، كتبت فيه: «لا مفر من الإقرار بأن هذا الحكم الظالم يبدو كأنه يعلن للعالم الذي بدأ بالفعل الدخول في القرن الحادي والعشرين أن المسلمين فشلوا في دخول القرن المنصرم، فهل تبدد بالفعل كل شيء؛ التاريخ والتراث والوطن؟ هل صار شعارنا الآن «أنت تفكر إذن فأنت مرتد»، بعد أن كان في كل عصور ازدهار الفكر الإسلامي «أنا أفكر لأنني مسلم»، أو «لأنني مسلم فيجب أن أفكر»؟»
يا أهل مصر المعمورة لا تصدقوا كلام القاضي أنني مرتد، ولو كان في النقض؛ لأن المرتد والعياذ بالله لا يتقدم بردته لينال لقب الأستاذية في جامعة في بلد مسلم إلا لو كان مجنونا. وقد عشت بينكم طفلا وصبيا وشابا وكهلا، وخدمت وطني في كل مواقع العمل من «هيئة المواصلات اللاسلكية» إلى الجامعة، ولم تظهر علي أعراض جنون من أي نوع، منذ حوالي ربع قرن وأنا أدرس لأبنائكم في القاهرة والخرطوم وبني سويف، فهل سمعتم أن أحدا من طلابي اتهمني بالكفر، أو كفر بتأثير تدريسي له أو لها؟ كل الذي حدث يا أهلي وعشيرتي أنني رفضت الانصياع للظلم والجهل في أروقة الجامعة العريقة، وقلت «لا» عالية مدوية ... يا أبناء وطني، مسلمين ومسيحيين ... فقد لقيت من مساندتكم ودعمكم ما هو جدير بكم، وعلي أن أرد الجميل فأثبت لكم أنني جدير بدعمكم ومساندتكم، والسبيل الوحيد هو الاستمرار في العمل؛ البحث والكتابة في أي مكان من أرض الله الرحبة الواسعة. صوتي سيكون دائما معكم في كل معارك الحق والعدل والشرف، وستصلكم كتاباتي واجتهاداتي الفكرية من أي مكان أكون فيه؛ فليس الوطن مجرد مكان نعيش فيه، بل هو بالأحرى حلم يعيش فينا. لقد صار الدفاع عن حضارة الإسلام منذ الآن أكبر من أن يكون هما أكاديميا، صار مسألة حياة أو موت، أن نكون أو لا نكون. وإذا كان شعار العالم «أنا أفكر فأنا موجود»، فليكن شعارنا «أنا أفكر فأنا مسلم».
رغم الحالة النفسية من الحكم، سأضع جهدي في أبحاثي وطلابي؛ فهذا هو طريقي، وبخاطرك يا مصر. تقدم الأستاذ «عبد العزيز محمد» نقيب محامي القاهرة دفاعا عن «نصر أبو زيد وابتهال يونس» باستشكال لوقف تنفيذ الحكم. وكانت هناك جلسة في الحادي والعشرين من أغسطس، وجلسة ختامية في الحادي عشر من سبتمبر، لتصدر المحكمة حكمها يوم الأربعاء الخامس والعشرين من سبتمبر سنة ست وتسعين، برئاسة المستشار «سعيد أيوب»، بوقف تنفيذ حكم التفريق بين «ابتهال ونصر»، مستندة إلى أن حكم النقض «لم يتعرض من قريب أو بعيد لخصومة التنفيذ الماثلة، حيث لم تكن معروضة عليه؛ ومن ثم فإن هذه الخصومة تخرج عن نطاق ما قضت به محكمة النقض» ... «بما لا يحول، وأن تتصدى هذه المحكمة بوصفها قاضيا للتنفيذ للفصل في هذه الخصومة، دون أن تكون قد تجاوزت حدودها بالاقتراب من دائرة الموضوع الذي فصلت فيه محكمة النقض؛ فالحق في التنفيذ هو حق مستقل» ... «وهذا الاختلاف بين الحقين يوجب بحث مدى توافر شروط صحة خصومة التنفيذ. وأول الشروط الواجب توافرها في خصومة التنفيذ هو أن يكون لطالب التنفيذ صفة في طلب التنفيذ ... وحيث إنه صدر القانون رقم 81 لسنة 96 بأن جعل شرط المصلحة الشخصية والمباشرة والقائمة لازما لقبول أي دعوى ...» «فقد حكمت المحكمة بوقف تنفيذ حكم محكمة استئناف القاهرة الصادر بجلسة 14 يونيو 1995م في استئناف رقم 387 لسنة 111ق القاهرة.» وبذلك لم ينفذ حكم التفريق بين «نصر أبو زيد وابتهال يونس»، ولكن ظل حكم الردة قائما.
4
نشرت مجلة «أدب ونقد»، في عدد سبتمبر سنة ست وتسعين، نص ورقة كنت قد قدمتها في ندوة التجديد والاجتهاد في فكر «الإمام محمد عبده» عن «مشروع الإصلاح الديني بين التحدي الأوروبي والتخلف الداخلي»، كشفت في هذه الورقة وعي «محمد عبده» رغم سياق السجال الذي فرضته أوروبا على العقل الإسلامي، فإنه لم ينزلق كثيرا للسجال، ويتقوقع داخل سياج دفاعي، يبرئ الذات من كل النواقص، ويلصقها بالآخر الأوروبي. وكان على وعي بأن الصراع معه ليس صراعا دينيا، لكنه في الأساس «صراع قوة ونزاع مغالبة»؛ لذلك ميز الإمام بين الدين من حيث هو وضع إلهي عن طريق الوحي، وبين الدين بوصفه سيرورة اجتماعية؛ أي التفرقة بين المقدس والاجتماعي وبين الدين كوضع إلهي، والدين من حيث هو سيرورة تاريخية إنسانية. وتناول الإمام شأن الحكم والحكومة تفصيلا عن العدل والشورى وعلاقة الحاكم بالمحكوم في المجلدين الرابع والخامس من تفسير المنار، مما يحتاج إلى دراسة أخرى مستقلة.
أنا و«ابتهال» لم نتصور يوما أن ما حدث هو قضية شخصية، وهذا ما ساعدنا على الاستمرار، لكن ما حدث يجعلني أعود دائما للسؤال: لماذا يخفق خطاب التجديد في الفكر الإسلامي؟ لذلك أردت أن أعمق النظر عن طريق النقد الذاتي لأزمة منهج التفسير الأدبي للقرآن، في دراسة نشرتها مجلة «الكرمل» التي يشرف على تحريرها الشاعر الفلسطيني الكبير «محمود درويش»، في عددها الخمسين سنة سبع وتسعين. والاتجاه الأدبي ممكن أن نعود به إلى القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي، بجهود المعتزلة من جانب، وجهد «عبد القاهر الجرجاني» من خلال مناقشة قضية إعجاز القرآن التي طور فيها أفكار «الجبائي وعبد الجبار» المعتزليين، فقال «الجرجاني» إن الإعجاز في القرآن ليس في المفردات بل في النظم، من هنا فإن معرفة قوانين وطرق البيان في أرقى تجلياتها بدراسة الشعر يكون واجبا دينيا، وهو الأصل والأساس في فهم القرآن ونظمه للوصول إلى إعجازه.
وفي العصر الحديث، كان «محمد عبده» هو من أعاد نشر وتدريس كتابي «عبد القاهر الجرجاني» عن بلاغة وإعجاز القرآن، في دروس البلاغة بمدرسة «دار العلوم»، وكان إسهامه الكبير في أن القرآن ليس كتاب تاريخ، وأن القصص القرآني من أجل العبرة لدوافع أخلاقية، وأيضا أن القرآن خاطب العرب على حسب فهمهم وتصورهم للعالم في القرن السابع. وجاء «طه حسين» الذي بنى على ذلك فقال إن القرآن ليس نثرا ولا شعرا؛ إنه قرآن. وقال إن قصة «إبراهيم» وحضوره وزوجته «هاجر» وابنها «إسماعيل» إلى الحجاز، قصة كانت موجودة قبل نزول الوحي، وإنها خلقت لتسهيل العلاقة بين قبائل اليهود وأهل يثرب. واستخدم القرآن القصة لدعم صلته باليهودية والمسيحية كدين إبراهيمي. وكان «طه حسين» على رأس البعثة العلمية التي اكتشفت كنوز التراث المعتزلي التي كانت مدفونة في المكتبة المتوكلية باليمن.
في ظل سيادة النسخة العربية من التيار الرومانسي على الحياة الأدبية، طبق «سيد قطب» المنهج الأدبي لدراسة القرآن لكن من منطلق انطباعي، لكن «أمين الخولي» (1311ه/1895م-1384ه/1966م) قال إن المنهج الأدبي هو المدخل الوحيد للبدء به في دراسة القرآن؛ لأن العرب تقبلوا القرآن تقديرا لقيمته الأدبية؛ لذلك فقبل دراسة ما هو ديني أو فلسفي أو عقدي أو أخلاقي أو فقهي، لا بد من دراسته أدبيا وبلاغيا ولغويا. وربط «الخولي» بين دراسات اللغة والبلاغة والدراسات القرآنية، وأن دراسة مسألة إعجاز القرآن في الفكر القديم تقوم على البلاغة القديمة، فعلينا استبدالها بالبلاغة المعاصرة. وفصل «الخولي» منهجه في تعليقه العربي على كلمة «تفسير» في الترجمة العربية للموسوعة الإسلامية، والتي نشرها فيما بعد في كتابه «مناهج التجديد»، وعرضت تفاصيل قضية رسالة دكتوراه تلميذه «محمد أحمد خلف الله» (1333ه/1916م-1417ه/1998م)، الذي أخذ منهج أستاذه «أمين الخولي» وقام بتطبيقه على «قضية الجدل في القرآن» في دراسته للماجستير، وفي الدكتوراه عن الفن القصصي في القرآن الكريم، والتي أشرف عليها الأستاذ «الخولي»، فقام بجمع القصص في القرآن، ورتبها حسب ترتيب نزولها من أجل تحليلها في سياق بيئتها الاجتماعية، وحالة الرسول النفسية، وتطور الرسالة الإسلامية للوصول إلى المعنى الذي فهمه العرب وقت النزول؛ فالقرآن ليس كتابا في العلوم ولا التاريخ أو السياسة، بل دعوة هداية ومرشد أخلاقي. والقصص القرآني قص أدبي يوظف لأهداف خلقية وروحية ودينية، ومن الخطأ التعامل معه على أنه حقائق تاريخية خالصة. وانحصار العقل الإسلامي في سؤال الحقيقة التاريخية للقصة في القرآن لم تجعله يدرك الأبعاد الأخلاقية والروحية للقصة القرآنية.
ورصدت وقائع الأزمة في الجامعة وفي المجتمع، وما حدث مع «خلف الله» من تحويله إلى عمل إداري سنة 1947م، ومنع الشيخ «أمين الخولي» من الإشراف على رسائل الدراسات الإسلامية، وخير تلميذه، أستاذي «شكري عياد»، بين تغيير التخصص أو تغيير الأستاذ، فاختار أستاذه وغير تخصصه من الدراسات القرآنية إلى النقد. ولم ينشر رسالته للماجستير عن يوم الحساب في القرآن إلا بعدها بثلاثة عقود، وإن كانت رسالة «خلف الله» نشرت أربع مرات بتقديم من «أمين الخولي». توصلت إلى نتيجة؛ إن أزمة المنهج الأدبي لتفسير القرآن تعود لغياب أساس لاهوتي/ثيولوجي/عقدي/كلامي متكامل؛ لأن الرؤية اللاهوتية السائدة بشكل عام هي الرؤية الحنبلية التي تعتمد على مفهوم قدم القرآن، وغابت منها التفرقة التي كان يقيمها المسلمون الأوائل بين ما هو إلهي أبدي وما هو مرحلي مرتبط بأسباب نزول الوحي الإلهي. غابت هذه التفرقة في اللاهوت الإسلامي المعاصر. وهذا ما يجعل الاتجاه الأدبي في نظر معارضيه أنه يقضي على قداسة القرآن، وعلى صلاحه لكل زمان ومكان، وعلى مصدره الإلهي.
الثابت تاريخيا وثقافيا أن القرآن هو رسالة أوحى بها الله سبحانه إلى نبيه الإنسان محمد
Shafi da ba'a sani ba