وقد أقبل مع الصبح فلقي الخادم وحمل الحقيبة، وسئل فأجاب، ولم تنكر الخادم من جوابه شيئا؛ فالفتاة نزقة طائشة كثيرة العبث والمجون وكل شيء منها ممكن، ويتقدم النهار حتى يوشك أن يبلغ آخره، وإذا صاحبة الدار تسأله فيجيبها بمثل ما أجاب به الخادم، ويسأله صاحب الدار فيعيد عليه نفس الجواب، فإذا كان الغد تلقت الدار دعاء من المحطة إلى أخذ الحقيبة التي تركت في مستودع الودائع، فعرفت الأسرة أن الفتاة لم تسافر، وجعلت الظنون تذهب بها كل مذهب.
وقد تبينت الأسرة أن الفتاة تركت كثيرا من الثياب التي كانت تريد أن تحملها في سفرها، ومهما يكن من شيء فقد استأثر الخوف بالأبوين جميعا، ودعي السائق فتشدد في سؤاله الأب وتشدد معه بعض المتجسسين الذين يعملون له في شركاته الضخمة، وكان هذا المتجسس يريد أن يتهم الفتى، ولكن الأب يدافع عنه، ويرى أنه فتى مستقيم.
وإذن فلتلصق التهمة بهذا الشيوعي الشاب الذي أنفق مع الفتاة ليلته تلك، وقد أخذ هذا الشيوعي فألقي في السجن، واستقامت للغلام الأسود أموره حتى طمع في أكثر مما بلغ.
ويجب أن نلاحظ أن هذا الغلام لم يكد يدفع الخوف عن نفسه ويزيل أثر الجريمة حتى رضي عن كل ما فعل، وأحس أن الجريمة قد كشفت له عن شخصيته، وردت إليه حريته وأتاحت له وجودا لم يعرفه من قبل؛ فهو قد قتل فتاة بيضاء وحرق جسمها في النار، وروع بها أبويها، ودفع فتى أبيض بريئا إلى السجن، وأخذ ما كانت الفتاة تحمل في حقيبة يدها من مال، وهو مع هذا كله مطمئن يذهب ويجيء ويأكل ويشرب وينام.
وهو إذن حر، وهو إذن سيد نفسه، وهو إذن موجود على نحو ما يقول أصحاب الفلسفة الوجودية، وهو إذن محتمل تبعة كل ما أتى وكل ما يأتي من الأعمال. قد كانت شخصيته مغمورة، وكانت قوته وحيلته ومهارته مغمورة مع هذه الشخصية؛ فالآن وقد كشفت له الجريمة عن نفسه وعن قدرته وعن حيلته؛ فهو يستطيع أن يصنع أكثر مما صنع، وأن يقدم على أكثر مما أقدم عليه.
وما يمنعه أن يزور كتابا إلى الأسرة ينبئها فيه بأن الفتاة مخطوفة أسيرة عند خاطفيها وبأن من الممكن أن ترد إلى أهلها إذا وضعوا مقدارا من المال في مكان ما؟ وما يمنعه إذا وضع هذا المقدار من المال في المكان الذي اختاره أن يأخذه وينفي به نفسه من الأرض إلى حيث يعيش آمنا حرا مستمتعا بشخصيته وقوته وذكائه وحيلته؟
ولكنه في حاجة إلى شريك يعينه على إتمام هذا الكيد، وهذا الشريك قريب منه وهو خليلته السوداء التي شاركته في بعض الجرائم، والتي وصلت أسبابها بأسبابه في الخير والشر جميعا؛ فهو يسعى إلى هذه الفتاة السوداء، ويأخذها بما تعود أن يأخذها به من الحب والعبث والسكر ثم يظهرها على بعض الأمر لا على الأمر كله، ثم ينبئها بما دبر من حيلة ليحتاز عشرة آلاف من الدولارات، والفتاة تأبى وتلح في الإباء، وتخوفه العاقبة، ولكنه يرغبها ويرهبها ويلهيها ويسقيها حتى تظهر له الطاعة، وإذا هو يكتب الكتاب ويحمله إلى الدار ويلقيه من وراء الباب، ويسرع إلى غرفته ينتظر فيها الأحداث.
وما هي إلا ساعات حتى يرى نفسه في أدنى الدار أمام الموقد، وقد أقبلت جماعات الصحفيين الذين يريدون أن يعرفوا تفصيل ما ذاع من أنباء هذه الفتاة، وهم يسألون ويلحون في السؤال، والفتى الأسود قائم أمامهم كأنه لا يعرف من الأمر أكثر من أنه رد الفتاة وصاحبها الأبيض إلى الدار حين تقدم الليل، وهما ثملان، والقوم مقتنعون بأن هذه الجريمة الغامضة أثر من آثار الشيوعيين.
ولكن صاحب الدار يقبل فينبئ هؤلاء الصحفيين بأنه تلقى كتابا يحدثه بأن ابنته أسيرة، وبأن عليه أن يفتديها بالمال، ثم ينبئهم بأنه سيدفع هذه الفدية، ثم يتقدم إليهم في أن يحتاطوا فيما ينشرون في صحفهم حتى لا يفسدوا عليه الأمر، فهو لا يريد إلا أن يجد ابنته.
وفي أثناء ذلك تقدم الخادم وقد حملت أقداح القهوة إلى الصحفيين وتطلب إلى السائق أن ينظف الموقد، فقد تراكم فيه الرماد حتى كادت النار أن تخمد، وكان الغلام الأسود سعيدا لما سمع من حديث صاحب الدار، فسيوضع المال في المكان المختار إذن، وستأخذه خليلته السوداء، وسيلقاها بعد ذلك ويفر معها من هذه الأرض، ليس بينه وبين الثراء والحرية إلا ساعة أو بعض ساعة.
Shafi da ba'a sani ba