Allah Kawn Insan
الله والكون والإنسان: نظرات في تاريخ الافكار الدينية
Nau'ikan
ولكن مصطلح الصوفية لا يعني شيئا واحدا للجميع، فما هو تعريفك له؟ (ج):
الصوفية ليست حكرا على دين بعينه، ولكنها تيار يسري في أديان متباعدة ومتخالفة. نجدها في الهندوسية مثلما نجدها في الثقافة اليونانية والرومانية، وفي الثقافة الشرق أوسطية. وهي تقوم على فكرة جوهرية مفادها أن روح الإنسان هي قبس من روح خالقه، ولكن الإنسان جاهل بهذه الحقيقة، وهذا الجهل يبقي الروح أسيرة في دورة الحياة والموت تنتقل من جسد إلى آخر إلى ما لا نهاية، ولكن الإفلات من إسار هذه الدورة ممكن عندما تتوصل هذه الروح من خلال فعالية العرفان إلى اكتشاف أصلها وموطنها الحقيقي، وتغدو مهيأة للانعتاق. وفعالية العرفان التي أشير إليها هنا تدعى باللغة اليونانية
Gnosis ، ومنها جاءت تسمية
Gnosticism
أي الغنوصية. وهذه الفعالية العرفانية ليست فعالية عقلية بل فعالية روحانية وتجربة باطنية تقود إلى معرفة الله في أعماق النفس، وعلى حد قول المتصوفين المسلمين: «من عرف نفسه عرف ربه.» وهم يتداولون حديثا قدسيا يقول: «ما وسعتني سمائي ولا أرضي، ووسعني قلب عبدي المؤمن.» (س):
هل يمكننا إذن تعريف التصوف بأنه المعرفة القلبية بالله؟ (ج):
نعم، وأكثر من ذلك. إنه فتح قناة تواصل مباشر مع الله، ومن يبلغ هذه الدرجة يغدو وليا عند محيي الدين بن عربي الذي يرى أن مرتبة الولاية تلي مرتبة النبوة في سلم الارتقاء الروحي الإنساني؛ فالمتصوف لا يقنع بدين العامة لأنه دين براغماتي سطحي؛ ففي الإسلام مثلا يتوجب على المسلم أن يؤمن بالله وملائكته ورسله وباليوم الآخر، وبالقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى. هذا الإيمان الذي هو نوع من الإقرار يجب أن يتمم بالأعمال وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت. ومن قام بهذا كله حجز لنفسه مقعدا في الجنة واتقى عذاب النار. أما المتصوف فإن جنة الله وناره لا تعنيه في شيء، وهو في علاقة حب مع الله تحكمها الآية الكريمة القائلة:
يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (الانشقاق: 6). والكدح هنا هو كدح روحي يرتقي خلاله المريد عبر مراتب من المعرفة توصله أخيرا إلى ملاقاة ربه عندما تنكشف بصيرته ويغدو بالمصطلح الصوفي عارفا بالله. ورحلة الكدح هذه تكتنفها الأسرار ولا يعرف تفاصيلها إلا من هم في الداخل. (س):
هل يوجد في القرآن ما يؤيد السعي الصوفي كما شرحته؟ (ج):
هناك آيات عديدة أذكر منها:
Shafi da ba'a sani ba