897

وروي أنه لما اشتد أمر يحيى بن عبدالله عليه السلام وامتدت إليه الأعناق ضاقت على هارون الأرض برحبها، وأنفذ إليه الفضل وأودعه أن يتوصل إلى يحيى بما أمكن من التيحلات وأن يرضي ملك الديلم، وقد كان هارون أودع الفضل كتابا إلى يحيى إن امتنع عليه جستان فيه الأمان بأوثق ما يدخل تحت الإمكان(1) من الوثاق، وبذل له من المال ألف ألف وألف ألف وألف ألف، ومن القطائع ما أحب، وأن ينزله من البلاد ما شاء، فكتب يحيى إلى هارون جواب كتابه كتابا طويلا، منه: وماعرضت علي من الأمان على أن تبذل لي أموال المسلمين، وتقطعني ضياعهم التي جعلها الله لهم دوني ودونك، ولم تجعل لنا فيها نقيرا ولا فتيلا فاستعظمت الاستماع له فضلا عن الركون إليه، واستوحشت منه تنزها عن قبوله، فاحبس عني أيها الإنسان مالك وأقطاعك وقضاء حوائجي فقد ادبتني أدبا ناقصا وولدتني عاقا، فوالله لو أن من قتلته من أهلي ترك وديالم على بعد أنسابهم وانقطاع رحمهم عني لوجبت علي نصرتهم والطلب بدمائهم، إلى قوله: وكيف لا أطلب بدمائهم ولا أنام عن ثأرهم، والمقتول بالجوع والعطش والنكال وضيق المحابس، وثقل الأغلال، وترادف الأثقال، أبي عبدالله الشيبة الزكية، والهمة السنية، والديانة المرضية، شيخ الفواطم، وسيد أبناء هاشم طرا، وأرفع أهل عصره قدرا، وأكرم أهل بلاد الله فعلا، ثم يتلوه إخوته وبنو أبيه، ثم إخوتي وبنو عمومتي نجوم السماء، وأوتاد الدنيا، وزينة الأرض، وأمان الخلق، ومعدن الحكمة، وينبوع العلم، وكهف المظلوم، وماوى الملهوف، ما منهم من أحد إلا من لو أقسم على الله لأبر قسمه، وما أنس(2) من الأشياء فلا أنسى مصارعهم، وما حل بهم من سوء مقدرتكم، ولؤم ظفركم، وعظيم إقدامكم، وقسوة(3) قلوبكم، إذ جاوزتم قتله من كفر بالله افراطا، وعذاب من عاند الله إسرافا، ومثلة من جحد الله عتوا، وكيف أنساه وما أذكره ليلا إلا أقض علي مضجعي وأقلقني عن موضعي، ولا نهاري إلا أمر علي عيشي وقصر علي نفسي(1) حتى لوددت(2) أن أجد السبيل إلى الإستعانة بالسباع عليكم فضلا على الناس، وآخذ منكم حق الله الذي وجب عليكم، وأنتصر من ظالمكم، وأشفي غليل صدر [قد كثرت](3) بلائله، وأسكن قلبا جما وساوسه من المؤمنين، فأذهب غيض قلوبهم ولو يوما واحدا، قضى الله في بما أحب، وإن أعش(4) فمدرك ثأري داعيا إلى الله سبحانه على سبيل(5) رشاد أنا ومن اتبعني، أسلك قصد من سلف من آبائي وإخوتي وإخواني القائمين بالقسط الدعاة إلى الحق، وإن أمت فعلى سنن ما ماتوا، غير راهب لمصرعهم، ولا راغب عن مذهبهم، فلي بهم أسوة حسنة، وقدوة هادية، فأول قدوتي منهم أمير المؤمنين-رضوان الله عليه- إذ كان ما زال قائما وقت القيام مع الإمكان حتما، والنهوض لمجاهدة الجبارين فرضا، فاعترض عليه من كان كالظلف مع الخف، ونازعه من كان كالظلمة مع الشمس، فوجدوا لعمر الله من حزب الشيطان مخل من وجدت، وظاهرهم من أعداء الله مثل من ظاهرك، وهم لمكان الحق عارفون ولمواضع الرشد عالمون، فباعوا عظيم أجر الآخرة بحقير عاجل الدنيا، ولذيذ الصدق [بغليظ] (6) مرارة الإفك، ولو شاء أمير المؤمنين لهدأت له وركنت إليه بمحاباة الظالمين، وإتخاذ المظلين، وموالات المارقين، ولكن أبى الله ورسوله أن يكن للخائنين متخذا وللظالين مواليا(7) ولم يكن أمره عندهم مشكلا فبدلوا نعمة الله كفرا، واتخذوا آيات الله هزوا، وأنكروا كرامة الله، وجحدوا فضيلة الله، فقال رابعهم: أنى تكون لهم الخلافة والنبوة حسدا وبغضا، فقديما حسد النبيون وأبناء النبيين الذين اختصهم الله بمثل ما اختصنا فاخبر عنهم تبارك وتعالى فقال:{أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما}[النساء:54] فجمع لهم المكارم والفضائل والكتاب والحكمة والنبوة والملك العظيم فلما أبوا إلا تماديا في الغي(1) وإصرارا على الضلال جاهدهم أمير المؤمنين، حتى لقي الله شهيدا (رضوان الله عليه) ثم تلاه الحسن سليل رسول الله-صلى الله عليه وآله- وشبيهه وسيد شباب أهل الجنة إذ كل أهلها سادة، فكيف سيد السادة فجاهد من كان أمير المؤمنين جاهده، وسكن إليه من المؤمنين(2) من كان شايعه من ذوي السابقة وأهل المآثر(3)، فكان ممن نقض ما عقد له، ونكث عما عاهده عمك عبيدالله بن العباس حين اطمأن إليه وظن أن سريرته الله مثل علانيته، ووجهه على مقدمته في نحو من عشرين ألف مقاتل من المسلمين، فلما نزل مسكنا من سواد العراق باع دينه وأمانته من ابن آكلة الأكباد بمائة ألف درهم، وفارق عسكره ليلا، ولحق بمعاوية فدله على عورات عسكر ابن رسول الله، وأطمعه في مبارزته بعد أن كانت نفسه قد أحيط بها، وضاق عليها مورده ومصدره، وظن أن لا مطمع له حتى استدرج وأمهل له فارتحل الحسن بنفسه باذلا لها في ذات الله ومحتسبا ثواب الله، حتى إذا كان بالمدائن وثب(4) عليه أخو أسد فوجاه في فخذه فسقط لما به آيس الناس من إفاقته فتبددوا شيعا وتفرقوا قطعا، فلما قصرت طاعته وعجزت قوته وخذله أعوانه سالم هو وأخوه معذورين مظلومين موتورين فاستثقل اللعين بن اللعين حياتهما، واستطال مدتهما فاحتال بالاغتيال لابن رسول الله-صلى الله عليه وآله- حتى نال مراده، وظفر بقتله، فمضى مغموما، وقيذا، مظلموا، وقيذا، وعير شقيقه وأخوه وابن أمه وأبيه شريكه في فضله ونظيره في سؤدده على مثل ما انقرض عليه أبوه وأخوه حتى إذا ظن أن قد أمكنته محبة الله من بوارهم ونصرة الله من أجرامهم دافعه عنها أبناء الدنيا واستفرج بها أبنا الطلقاء فبعدا للقوم الظالمين، وسحقا لمن آثر على سليل النبيين الخبيث بن الخبيثين والخائن بن الخائنين فقتلوه، ومنعوه ماء الفرات وهو مبذول لسائر السباع، وأعطشوه وأعطشوا أهله، وقتلوهم ظماء يناشدونهم فلا يخافون، ويستعطفونهم فلا يرحمون، ثم تهادوا رأسه إلى يزيد الخمور والفجور تقربا إليه فبعدا للقوم الظالمين، ثم توجهت جماعة من أهل العلم والفضل إلى سجستان في جيش فتذاكروا(1) ما حل بهم من ابن مروان فخلعوه وبايعوا الحسن بن الحسن، ورأسوا عليهم ابن الأشعث إلى أن يأتيهم أمره، فكان رأسهم غير طائل ولا رشيد، نصب العداوة للحسن قبل موافاته، فتفرقت عند ذلك كلمتهم وقل حدهم فمزقوا كل ممزق، فلما هزم جيش الطواويس، احتالوا بجدي الحسن بن الحسن فمضى مسموما يتحسى الحسرة ويتجرع الغيظ-رضوان الله عليه- حتى إذا ظهر الفساد في البر والبحر شرى زيد بن علي عليه السلام من الله نفسه فما لبث أن قتل، ثم صلب، ثم أحرق فأكرم بمصرعه مصرعا، ثم ما كان إلا طلوع ابنه يحيى بن زيد عليه السلام ثائرا بخراسان فقضى نحبه وقد أعذر-رضوان الله عليهما- وقد كان [أخي] (2) محمد بن عبدالله دعا قبل زيد وابنه-عليهما السلام- فكان أول من أجابه وسارع(3) إليه جدك محمد بن علي بن عبدالله بن العباس وإخوته وأولاده فخرج ابن عمه يقوم بدعوته حتى خدع بالدعاء إليه طوائف، ومعلوم عند الأمة(4) أنكم كنتم لنا(5) تدعون وإلينا ترجعون، وقد أخذ الله منكم ميثاقا لنا، وأخذنا عليكم ميثاقا لمهدينا محمد بن عبدالله النفس الزكية الخائفة التقية المرضية فنكثتم ذلك، وادعيتم من إرث الخلافة ما لم تكونوا تدعونه قديما ولا حديثا، ولا أدعاه لكم أحد من الأمة إلا تقولا كاذبا، فها(1) أنتم الآن تبغون دين الله عوجا وذرية رسول الله (صلى الله عليه) قتلا واجتياحا، فمتى ترجعون وأنى تؤفكون، أو لم يلكم خاصة وللأمة عامة في محمد بن عبدالله فضل، إذا لا فضل يعدل فضله في الناس ولا زهد يشبه زهده حتى ما يتراجع فيه اثنان ولا يتراد فيه مؤمنان، ولقد أجمع عليه أهل الأمصار من [أهل الفقه والعلم في كل البلاد لا يخالجهم فيه الشك ولا تقفهم فيه الظنون فما ذكر](2) عند خاصة ولا عامة إلا اعتقدوا محبته، وأوجبوا طاعته، وأقروا بفضله، وسارعوا إلى دعوته إلا من كان من عتاة أهل الإلحاد الذين غلبت عليهم الشقوة وغمضوا النعمة، وتوقعوا النقمة(3) مع شيع أعداء الدين وأفئدة المضلين، وجنود الظالين، وقادة الفاسقين، وأعوان الظالمين، وحرب الخائنين، وقد كان الدعاء إليه منهم ظاهرا، والطلب له قاهرا باعلان اسمه وكتاب علامته(4) على أعلامكم محمد يا منصور، يعرف ذلك ولا ينكر ويسمع، ولا يجهل حتى صرفتموها إليكم وهي تخطب عليه، وكفحتموها عنه وهي مقبلة إليه حين حضرتم وغاب، وشهدتم إبرامها وناى رغبة ممن حضر وعظمة جراءة من اعترض، حتى إذا حصلت لكم بدعوتنا وهدأت عليكم بخطبتنا وقرت عليكم بنسبتنا قالت لكم أجرامكم إلينا وجنايتكم علينا إنها لا توطأ لكم إلا بإبادة خضرائنا ولا تطمئن لكم دون استئصالنا، فأغري بنا جدك المتفرعن فقتلنا لاحقا بأثره فينا عند المسلمين لوم منذره وصراعه ملكه، حتى أخذه الله أخذ عزيز مقتدر قبل بلوغ شفا قلبه من فنائنا، وهيهات أن يدرك الناس ذلك، ولله فينا خبيئة لابد من إظهارها وإرادة لابد من بلوغها، فالويل له فكم من عين طال ما غمضت عن محارم الله وسهرت متهجدة لله، وبكت في ظلم الليل خوفا من الله قد أسحها بالعبرات باكية، وسمرها بالمسامير المحماة فألصقها بالجدرات المرصوفة قائمة، وكم من تمرة وجه طال ما ناجى الله مجتهدا، وعنى لله متخشعا مشوها بالغمد مقتولا مغلولا ممثولا به معتوما، وبالله أن لو لم يلق لله إلا بقتل النفس الزكية أخي محمد بن عبدالله-رحمه الله- للقيه بإثم عظيم وخطب كثير(1) فكيف وقد قتل قبله النفس التقية أبي عبدالله بن الحسن وإخوته وبني أخيه(2) ومنعهم روح الحياة في مطابقه، وحال بينهم وبين خروج النفس في مطامرة، لا يعرفون الليل من النهار ولا مواقيت الصلاة إلا بقراءة أجزاء القرآن تجزئة لما عاينوا في آناء الليل والنهار حين الشتاء والصيف حال أوقات الصلاة قرما منه إلى قتلهم، وقطعا لأرحامهم(3)، وترة لرسول الله فيهم فولغ في دمائهم ولغان الكلاب، وضرى بقتلهم صغيرهم وكبيرهم ضروان الذئاب ونهم بهم نهم الخنزير، والله له ولمن عمل بعمله بالمرصاد، فلما أهلكه الله قاتلتنا [أنت] (4) وأخوك الجبار الفظ الغليظ [العنيد] (5) بأضعاف فتنته واحتذاء بسيرته قتلا وعذابا، وتشريدا وتطريدا، فأكلتمانا أكل الربا حتى لفظتنا الأرض خوفا منكما، وتأبدنا في الفلوات هربا عنكما فأنست بنا الوحوش وأنسنا بها وألفتنا البهائم وألفناها، فلو لم تجتن أنت وأخوك إلا قتل الحسين بن علي وأسرته بفخ لكفى بذلك عند الله وزرا عظيما، وستعلم وقد علم ما اقترف، والله مجازيه وهو المنتقم لأوليائه من أعدائه، ثم امتحنا الله بك من بعده فحرضت على قتلنا، وظلمت(6) الأول والآخر منا لا يؤمنك(7) منهم بعد دار ولا نأي جار تتبعتهم بخيلك وكيدك، حيث سيروا من بلاد الترك والديلم، لا تسكن نفسك ولا يطمئن قلبك دون أن تأتي على آخرنا [ولاتدع صغيرنا ولا ترثا(1) لكبيرنا] لئلا يبقى داعي إلى حق ولا قائل صدق(2)، ولا أحد من أهله حتى أخرجك الطغيان وحملك الشنئان أن أظهرت بغضة أمير المؤمنين، وأعلنت بنقصه وقربت مبغضيه، وآويت شانئيه حتى أربيت على بني أمية في عداوته، وسعيت عليهم في تناوله، وأمرت بكرب قبر الحسين بن علي-صلوات الله عليه- وتعمية موضعه وقتل(3) زواره، واستئصال محبيه، وأوعدت زائريه، [وارعدت وابرقت](4) على ذكره، فوالله لقد كانت بنو أمية الذين وضعنا آثارهم مثلا لكم، وعددنا مساوئهم إحتجاجا عليكم على بعد أرحامهم(5) أرأف بنا وأعطف علينا قلوبا من جمعيكم وأحسن استبقاء(6) لنا ورعاية من قرابتكم، فوالله ما بأمركم حقا ولا بسنانكم(7) امتروا ولم لا تجاهد وأنت معتكف على معاصي الله صباحا ومساء، مغترا بالمهلة، آمنا من النقمة، واثقا بالسلامة، تارة تغري(8) بين البهائم بمناطحة كبش ومناقرة ديك ومحارشة كلب، وتارة تفترش(9) الخصيان، وتأتي الذكران، وتترك الصلوات صاحيا وسكران، لا يشغلك ذلك عن قتل أولياء الله، وانهاك محارم الله، فسبحان الله! ما أعظم حلمه وأكثر أناءته عنك، وعن أمثالك، ولكنه تبارك وتعالى لا يعجل، وكيف يعجل، وهو لا يخاف الفوت، وهو شديد العقاب.

Shafi 348