المتشابه
د. عبد المجيد بن محمد الوعلان

1 / 1

المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا أما بعد:
فإن العلم بالتفسير أمر مهم، والعلم بالتأويل أهم، وتصفية القلوب من شوائب الأوهام أسنى وأتم، ومن السلامة للمرء في دينه اقتفاء طريقة السلف الذين أمر أن يقتدى بهم من جاء بعدهم من الخلف.
فمذهب السلف أسلم، ودع ما قيل من أن مذهب الخلف أعلم، فإنه من زخرف الأقاويل، وتحسين الأباطيل، فإن أولئك قد شاهدوا الرسول والتنزيل، وهم أدرى بما نزل به الأمين جبريل، ومع ذلك فلم يكونوا يخوضون في حقيقة الذات، ولا في كيفيات الأسماء والصفات، ويؤمنون بمتشابه القرآن، وينكرون على من يبحث عن ذلك من فلانة وفلان (^١).
وهذا بحث مختصر عن مصطلح من مصطلحات التي ترد في كتب العقيدة، وهو: المتشابه، فإن من المهم معرفة المصطلحات الواردة في كتب العقيدة؛ لأن ذلك يعين على فهم المسألة الوارد فيها، ويزيل الإشكال واللبس الذي قد يحصل عند القارئ (^٢).
وقد اشتمل هذا البحث على مقدمة وتمهيد وستة مباحث وخاتمة.
أما المقدمة فتشمل على:
- أهمية البحث.
- خطة البحث.
- منهج البحث.

(^١) أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات المشتبهات، تأليف مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي، تحقيق شعيب الأرنؤوط، ص ٤٥ - ٤٦، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى.
(^٢) انظر: مصطلحات في كتب العقيدة لمحمد الحمد.

1 / 2

أما التمهيد فيشمل: تعريف المحكم والمتشابه في اللغة والاصطلاح.
- المبحث الأول: الإحكام والتشابه في القرآن الكريم.
- المبحث الثاني: الحكمة من وجود المتشابه في القرآن والسنة.
- المبحث الثالث: أنواع المتشابه.
- المبحث الرابع: موقف المسلم من المتشابه.
- المبحث الخامس: حكم تأويل المتشابه.
- المبحث السادس: رد دعوى أن صفات الله من المتشابه.
أما الخاتمة فقد ذكرت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها.
أما منهجي في البحث فهو كالتالي:
١ - عزو الآيات إلى أماكنها في القرآن، وذلك ببيان اسم السورة ورقم الآية ووضعها بين قوسين ﴿﴾.
٢ - تخريج الأحاديث والآثار، وذلك بذكر المصدر ورقم الحديث إن وجد ورقم الجزء والصفحة.
٣ - عمل فهرس للمراجع.
٤ - عمل فهرس للموضوعات.
وأسأل الله ﷾ أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
د: عبد المجيد بن محمد الوعلان
awalaan@gmail.com

1 / 3

التمهيد: تعريف المحكم والمتشابه في اللغة والاصطلاح (^١).
أولًا: المحكم والمتشابه في اللغة:
المحكم في اللغة (^٢):
المحكم: مأخوذ من حَكَم الذي أصله: منع منعًا لإصلاح، ومنه سميت اللجام حَكَمة الدابة، لأنها تمنعها عن ركوب رأسها، وسمي الحاكم حاكمًا لمنعه الظالم من الظلم، ويقال: حَكَمت الرجل وحَكَّمته وأحَكْمته إذا منعته، ومنه قول جرير:
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا (^٣)
أي: امنعوهم من السفه.
والحكمة: سميت حكمة، لمنعها النفس عن هواها، والحكيم المتقن للأمور (^٤).
وبهذا يظهر أن معنى المحكم في اللغة يرجع إلى معنيين، وهما: المنع والإتقان.
المتشابه في اللغة (^٥):
أصل المتشابه: من الشِّبه والشَّبَه، وهو أن يشبه أحد الأمرين الآخر حتى يلتبسا، والشبهة الالتباس، والمتشابهات من الأمور المشكلات (^٦).
يقول ابن قتيبة ﵀: " وأصل التشابه أن يشبه اللفظ اللفظ في الظاهر، والمعنيان مختلفان، قال الله ﷿ في وصف ثمر الجنة: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] (^٧)، أي: متفق المناظر مختلف الطعوم، وقال: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨] (^٨)، أي يشبه بعضها بعضًا في الكفر والقسوة.
ومنه يقال: اشتبه عليّ الأمر، إذا أشبه غيره فلم تكد تفرق بينهما، وشبّهت عليّ، إذا لبست الحق بالباطل، ومنه قيل لأصحاب المخاريق: أصحاب الشبه، لأنهم يشبهون الحق بالباطل، ثم قد يقال لكل ما غمض ودق متشابه، وإن لم تقع الحيرة فيه من جهة الشبه بغيره" (^٩).

(^١) انظر: قواعد التفسير تأليف خالد السبت ص ٢/ ٦٥٩ - ٦٦٠، دار ابن عفان، الجيزة، الطبعة الأولى.
(^٢) انظر: لسان العرب لابن منظور، تحقيق عبدالله الكبير وآخرون، ص ٢/ ٩٥٣ مادة حكم، طبعة دار المعارف، القاهرة.
(^٣) البيت في ديوان جرير تحقيق نعمان طه، ١/ ٤٦٦، طبعة دار المعارف بمصر، عام ١٩٧١. لسان العرب ص ٢/ ٩٥٣.
(^٤) انظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي لأبي منصور الأزهري تحقيق عبدالمنعم بشناتي ص ٥٥١، دار البشائر، بيروت، الطبعة الأولى. المفردات في غريب القرآن / للأصفهاني تحقيق صفوان داوودي ص ٢٤٨ - ٢٥١، دار القلم، دمشق، الطبعة الثانية. الصحاح لإسماعيل الجوهري تحقيق أحمد عطار ٥/ ١٩٠١ - ١٩٠٢، الطبعة الثانية.
(^٥) انظر: لسان العرب ص ٢١٨٩ مادة شبه، ومفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني، ص ٤٤٣ - ٤٤٥.
(^٦) انظر: المفردات للأصفهاني ص ٤٤٣ - ٤٤٥، الصحاح للجوهري ص ٦/ ٢٢٣٦، ترتيب القاموس المحيط على طريقة المصباح المنير وأساس البلاغة للطاهر أحمد الزاوي ٢/ ٦٧٠ - ٦٧١، عيسى البابي الحلبي، الطبعة الثانية.
(^٧) سورة البقرة: ٢٥.
(^٨) سورة البقرة: ١١٨.
(^٩) انظر: موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة لسليمان الغصن ص ١/ ٣٦٧ - ٣٦٩، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى.

1 / 4

ثانيًا: المحكم والمتشابه في الاصطلاح (^١):
للمحكم والمتشابه إطلاقان: عام وخاص:
أولًا: الإطلاق العام للمحكم والمتشابه:
أ- معنى المحكم: هو البين الواضح الذي لا يفتقر في بيان معناه إلى غيره، وذلك لوضوح مفرداته وإتقان تركيبها (^٢). فهو كالمفسر في أحد استعماليه عند الأصوليين (^٣).
ب- معنى المتشابه: يقال لكل ما غمض ودق، فهو يحتاج في فهم المراد منه إلى تفكر وتأمل، إذ أنه محتمل لمعاني كثيرة ومختلفة، فهو كالمشكل؛ لأنه دخل في شكل غيره فأشبهه وشاكله (^٤).
ثانيًا: الإطلاق الخاص للمحكم والمتشابه:
اختلفت عبارات العلماء في تحديد معنى الإحكام والتشابه الذي وردت به بعض نصوص الكتاب والسنة، وبصورة أخص قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧] (^٥).

(^١) انظر: القائد إلى تصحيح العقائد تأليف عبد الرحمن المعلمي، علق عليه الشيخ ناصر الدين الألباني ص ١٨٦ - ١٨٩، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة. ودفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب لمحمد الأمين الشنقيطي ص ٣٨، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، الطبعة الأولى.
(^٢) انظر: الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي تحقيق عبدالله دراز، ص ٣/ ٨٥، توزيع عباس الباز، مكة، الطبعة الثانية. وتفسير ابن كثير تقديم يوسف المرعشلي ص ١/ ٣٥٢، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية. والجامع لأحكام القرآن للقرطبي تحقيق عبدالله التركي ٥/ ١٧، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى.
(^٣) انظر: الحدود لأبي الوليد سليمان الباجي تحقيق نزيه حماد ص ٤٦ - ٤٧، مؤسسة الزغبي، بيروت عام ١٣٩٢ هـ.
(^٤) انظر: تأويل مشكل القرآن لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة ص ٧٤ - ٧٥، تحقيق: السيد أحمد صقر، دار إحياء الكتب العربية، مصر. والحدود ص ٤٧.
(^٥) سورة آل عمران: ٧.

1 / 5

القول الأول: المحكم ما عرف معناه والمراد منه، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه، كوقت قيام الساعة، وخروج المسيح الدجال، ونزول عيسى ﵇ وبعضهم يدخل فيه الحروف المقطعة في أوائل السور (^١).
وهذا مذهب جابر بن عبد الله ﵁ ومقتضى قول الشعبي وسفيان الثوري وغيرهما، كما حكاه القرطبي واستحسنه (^٢)، وهو اختيار أبي جعفر الطبري (^٣).
القول الثاني: المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجهًا واحدًا، والمتشابه ما احتمل أكثر من وجه: قال محمد بن جعفر بن الزبير: " المحكمات هي التي فيها حجة الرب، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه، والمتشابهات لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد"، ونقل هذا المذهب عن مجاهد وابن اسحاق، واستحسنه ابن عطيه (^٤)، وهو المنقول عن الشافعي، وأحمد في رواية، وعزاه ابن الجوزي إلى الشافعي وابن الأنباري (^٥).
وقال ابن الوزير: " فهؤلاء رجعوا بالمحكم إلى النص الجلي، وما عداه متشابه" (^٦).
القول الثالث: المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان، والمتشابه ما احتاج إلى بيان (^٧): وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، لأنه قال في كتاب: الرد على الزنادقة والجهمية (^٨): " بيان ما ضلت فيه الزنادقة من متشابه القرآن" ثم ذكر آيات وأخذ يفسرها ويبينها. وقال الإمام أحمد -في موضع-: " المحكم الذي ليس فيه اختلاف، والمتشابه الذي يكون في موضع كذا وفي موضع كذا" (^٩).

(^١) انظر: زاد المسير في علم التفسير لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي ص ١/ ٣٥٠ - ٣٥١، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الرابعة. ومعالم التنزيل لأبي محمد الحسين الفراء البغوي تحقيق محمد النمر وأخرون ص ١/ ٣٢٢، دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى. وشرح الكوكب المنير لابن النجار تحقيق محمد الزحيلي ونزيه حماد ص ٢/ ١٤٢، طبعة جامعة الملك عبدالعزيز ١٤٠٠ هـ، ومجموع الفتاوى جمع عبدالرحمن بن قاسم ١٧/ ٤١٩ طبعة عالم الكتب، الرياض عام ١٤١٢.
(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ص ٥/ ١٧.
(^٣) جامع البيان عن تأويل آي القرآن المعروف بتفسير ابن جرير الطبري لمحمد بن جرير الطبري ضبط وتعليق محمود شاكر ص ٣/ ٢٠٥، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى.
(^٤) انظر: تفسير الطبري ٣/ ٢٠٤، وتفسير البغوي ١/ ٣٢٣، وتفسير القرطبي ٥/ ١٨، وشرح الكوكب المنير ٢/ ١٤٢.
(^٥) انظر: زاد المسير ١/ ٣٥١.
(^٦) إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد لأبي عبدالله محمد اليماني المشهور بابن الوزير ص ٨٨، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، .
(^٧) انظر: العدة في أصول الفقه لأبي يعلى محمد بن الحسين الفراء تحقيق أحمد المباركي ٢/ ٦٨٤ - ٦٨٥، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى. والمسودة في أصول الفقه جمعها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد الحنبلي، تحقيق وتعليق محمد محي الدين عبدالحميد ص: ١٦١، دار الكتاب العربي، بيروت، وشرح الكوكب المنير ٢/ ١٤٢، وزاد المسير لابن الجوزي ١/ ٣٥٠ - ٣٥١، وتفسير البغوي ١/ ٣٢٣، ومجموع الفتاوى ١٧/ ٤٢٢.
(^٨) ص: ٥٣ ضمن عقائد السلف لنشار، طبعة منشاة المعارف بالاسكندرية، عام ١٩٧١ ..
(^٩) المسودة ص: ١٦١، وانظر: العدة ٢/ ٦٨٥.

1 / 6

القول الرابع: المحكم: الناسخ، والمتشابه: المنسوخ، روي عن ابن عباس وابن مسعود وقتادة والضحاك والربيع والسدي (^١)، ويميل شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢) إلى أن النسخ هنا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] (^٣)، فالمحكم هو جميع القرآن، والمتشابه هو ما يلقيه الشيطان ثم ينسخه الله ويزيله.
القول الخامس: روى الخطيب البغدادي بسنده إلى ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] (^٤) "هي التي في الأنعام ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣] (^٥)، ثلاث آيات، والمتشابهات الحروف المتقطعة" (^٦). وروي عن ابن عباس ومقاتل بن حيان أن المتشابه هو الحروف المقطعة من غير إشارة إلى معنى المحكم (^٧)، والظاهر أن المحكم في هذه الرواية هو ما سوى الحروف المقطعة (^٨).
والشوكاني ﵀ لا يصف هذه الأقوال المتقدمة في تعريف المحكم والمتشابه بالاختلاف، وذلك أن أهل كل قول قد عرفوا المحكم ببعض صفاته، وعرفوا المتشابه بما يقابلها، ويظهر ذلك عند التأمل في الأقوال، ولهذا يرى أن التعريف الذي يجمعها هو أن يقال: " المحكم الواضح المعنى الظاهر الدلالة، إما باعتبار نفسه أو باعتبار غيره، والمتشابه ما لا يتضح معناه، أو لا تظهر دلالته باعتبار نفسه ولا باعتبار غيره" (^٩).

(^١) انظر: الفقيه والمتفقه لأحمد بن علي الخطيب البغدادي، تحقيق عادل الغرازي ١/ ٢٠٠، الطبعة الأولى، دار ابن الجوزي، الدمام، وتفسير الطبري ٣/ ٢٠٤، وزاد المسير ١/ ٣٥٠ - ٣٥١، وتفسير القرطبي ٥/ ١٨، وإيثار الحق ص ٨٨.
(^٢) انظر: المسودة ص: ١٦٢.
(^٣) سورة الحج: ٥٢.
(^٤) سورة آل عمران: ٧.
(^٥) سورة الأنعام: ١٥١ - ١٥٣.
(^٦) الفقيه والمتفقه ١/ ٢٠١، وانظر: تفسير البغوي ١/ ٣٢٣.
(^٧) انظر: تفسير ابن كثير ١/ ٣٥٣، وزاد المسير ١/ ٣٥١، وتفسير البغوي ١/ ٣٢٣، ومجموع الفتاوى ١٧/ ٤٢٠، وإيثار الحق ص ٨٨.
(^٨) انظر: تفسير القرطبي ٥/ ١٨.
(^٩) انظر: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير لمحمد بن علي الشوكاني تحقيق عبدالرحمن عميرة ١/ ٥٢٧، دار الوفاء، المنصورة، الطبعة الثانية. منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة عثمان بن علي حسن ص ٢/ ٤٧٣ - ٤٧٧، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة السابعة.

1 / 7

المبحث الأول: الإحكام والتشابه في القرآن
وصف الله ﷾ القرآن كله بأنه محكم، كما وصفه بأنه كله متشابه، فقال تعالى في وصف القرآن بالإحكام: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١] (^١)، وقال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [يونس: ١] (^٢).
ومعنى كونه محكمًا، أي: في "اطراده في البلاغة، وانتظامه في سلك الفصاحة، واستواء أجزاء كلماته في أداء المعنى من غير حشو يستغنى عنه، أو نقصان يخل به، واختصار القول الطويل الدال على المعنى الكثير" (^٣).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فإحكام الكلام إتقانه بتمييز الصدق من الكذب في أخباره، وتمييز الرشد من الغي في أوامره، والقرآن كله محكم بمعنى الإتقان" (^٤).
والمقصود أن معنى كون القرآن كله محكمًا، أي: أن ألفاظه ومعانيه متقنة، وأن المعاني المرادة بألفاظه ظاهرة بينة لا خلل فيها ولا اختلاف" (^٥)، فالقرآن يصدق بعضه بعضا.
وكما وصف الله تعالى القرآن كله بالإحكام، فقد وصفه بأنه كله متشابه، وذلك في قوله سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] (^٦).
ومعنى كونه متشابهًا: أي يشبه بعضه بعضًا في الصحة والفصاحة والحسن والبلاغة، ويصدق بعضه بعضًا (^٧).

(^١) سورة هود: ١
(^٢) سورة يونس: ١.
(^٣) قانون التأويل أبو بكر محمد بن العربي تحقيق محمد السليماني ص ٣٧٣، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية.
(^٤) الرسالة التدمرية ٣/ ٦٠ ضمن مجموع الفتاوى.
(^٥) انظر: التفسير الكبير لفخر الدين الرازي ٧/ ١٦٧، المطبعة البهية، الطبعة الأولى. تأسيس التقديس ص ٢٣٠، البرهان في علوم القرآن للزركشي تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ٢/ ٦٨، طبعة المكتبة العصرية، بيروت، عام ١٤١٩. الإتقان في علوم القرآن للسيوطي تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ٣/ ٣، طبعة المكتبة العصرية، بيروت، عام ١٤١٨، أقاويل الثقات ص ٤٦ - ٤٨، فتح القدير ١/ ٥٣١.
(^٦) سورة الزمر: ٢٣.
(^٧) انظر: التفسير الكبير للرازي ٧/ ١٦٧، تأسيس التقديس ص ٢٣٠، الإتقان للسيوطي ٣/ ٣، أقاويل الثقات ص ٤٩، فتح القدير ١/ ٥٣١.

1 / 8

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فالمتشابه هنا هو تماثل الكلام وتناسبه، بحيث يصدق بعضه بعضًا، فإذا أمر بأمر لم يأمر بنقيضه في موضع آخر، بل يأمر به أو بنظيره، أو بملزوماته، وإذا نهى عن شيء لم يأمر به في موضع آخر، بل ينهى عنه أو عن نظيره أو عن ملزوماته، إذا لم يكن هناك نسخ، وكذلك إذا أخبر بثبوت شيء لم يخبر بنقيض ذلك ... وهذا التشابه يكون في المعاني وإن اختلفت الألفاظ.
فهذا التشابه العام لا ينافي الإحكام العام، بل هو مصدق له، فإن الكلام المحكم المتقن يصدق بعضه بعضًا، لا يناقض بعضه بعضًا" (^١).
وكما وصف الله تعالى القرآن بأنه كله محكم، وكله متشابه على المعاني السابقة، فقد وصف بعضه بالإحكام وبعضه بالتشابه، وذلك في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] (^٢).
وهذا يسمى الإحكام الخاص والتشابه الخاص.
"والتشابه الخاص هو مشابهة الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر، بحيث يشتبه على بعض الناس أنه هو أو هو مثله، وليس كذلك. والإحكام - الخاص- هو الفصل بينهما، بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر" (^٣).
وهذا الإحكام الخاص والتشابه الخاص هو الذي وقع الخلاف في تعيين المراد به على أقوال كثيرة، وإن كان بعضها قريبًا من بعض، وداخلًا في بعض، وعامتها يرجع إلى اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، أي: إن بعضهم قد يذكر نوعًا من المتشابه، ويذكر الآخر نوعًا ثان، وليس بين القولين تضاد في نفس الأمر (^٤).
والحق أن القرآن كله محكم باعتبار، كما أن كله متشابه باعتبار آخر، وبعضه محكم وبعضه متشابه باعتبار ثالث.
فمعنى كونه محكمًا، أي أنه في غاية الإحكام، وقوة الاتساق، كما أنه بالغ في الحكمة الغاية القصوى، إذ إن أخباره كلها حق وصدق، لا تناقض فيها ولا اختلاف.
كما أن أحكامه كلها عدل، وكل ما أمر به فهو خير وهدى، وكل ما نهى عنه فهو شر وضلال.
ومعنى كونه متشابهًا: أي في الحسن، والصدق، والهدى، والنفع.
وأما وصف بعضه بالإحكام والبعض الآخر بالتشابه فالمراد بالإحكام والتشابه هنا ما تقرر في المعنى الاصطلاحي لهذين اللفظين من الإحكام الخاص والتشابه الخاص (^٥).

(^١) الرسالة التدمرية ٣/ ٦١ - ٦٢، ضمن مجموع الفتاوى.
(^٢) سورة آل عمران: ٧.
(^٣) الرسالة التدمرية ٣/ ٦٢ ضمن مجموع الفتاوى.
(^٤) موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة ١/ ٣٦٩ - ٣٧١.
(^٥) قواعد التفسير ص ٢/ ٦٦١.

1 / 9

المبحث الثاني: الحكمة من وجود المتشابه في القرآن
من خلال افتراق الناس في موقفهم من المتشابه، إذ كان منهم راسخون في العلم يؤمنون به، ويتأولونه برده إلى المحكم أو برد علم حقيقته إلى العالم به وحده وهو الله -جل وعلا- إقامة منهم لمحكمات الوحي علمًا وإيمانًا وعملًا، ومنهم أهل زيع تركوا المحكم الواضح الذي هو معظم الوحي، واتبعوا المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله على غير الجادة، من خلال هذا ندرك الحكمة من إنزال المتشابه في القرآن، وهي الابتلاء على قوة الإيمان والتسليم للوحي، وعلى بذل الجهد، واستفراغ الوسع بالاجتهاد في معرفة مراد الله ورسوله ﷺ
يقول الشاطبي ﵀ في بيان هذه الحكمة البالغة: " فيعمل الراسخون على وفق ما أخبر الله عنهم، ويقع الزائغون في إتباع أهوائهم .. فلما جاءتهم -أي الراسخين- مواضع الاشتباه وكلوا ما لم يتعلق به عمل إلى عالمه على مقتضى قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] (^١)، (^٢).
قال ابن كثير ﵀: " فمن رد ما اشتبه إلى الواضح منه، وحكّم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى، ومن عكس انعكس" (^٣).
وقال الشيخ عبدالرحمن المعلمي ﵀: " وفي بقاء المنسوخ بعيدًا عن ناسخه، والإتيان بالمجمل بنوعيه ابتلاء من الله لعباده، فيكون عليهم مشقة وعناء في استنباط الأحكام؛ لاحتياج ذلك إلى الإحاطة بنصوص الكتاب والسنة واستحضارها، وفي ذكر ما لا سبيل للعباد إلى معرفة كنهه وكيفيته مع ما يتعلق بذلك من المعاني الظاهرة ابتلاء لهم ليمتاز الزائغ عن الراسخ (^٤).
قال ابن قتيبة ﵀: " وأما قولهم: ماذا أراد بإنزال المتشابه في القرآن، من أراد بالقرآن لعباده الهدى والتبيان؟
فالجواب عنه: أن القرآن نزل بألفاظ العرب ومعانيها، ومذاهبها في الإيجاز والاختصار، والإطالة والتوكيد، والإشارة إلى الشيء، وإغماض بعض المعاني حتى لا يظهر عليه إلا اللقن (^٥)، وإظهار بعضها، وضرب الأمثال لما خفي.
ولو كان القرآن كله ظاهرًا مكشوفًا حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل، لبطل التفاضل بين الناس، وسقطت المحنة، وماتت الخواطر.
وكل باب من أبواب العلم: من الفقه والحساب والفرائض والنحو، فمنه ما يجل، ومنه ما يدق، ليرتقي المتعلم فيه رتبة بعد رتبة، حتى يبلغ منتهاه، ويدرك أقصاه، ولتكون للعالم فضيلة النظر، وحسن الاستخراج، ولتقع المثوبة من الله على حسن العناية.
ولو كان فن من العلوم شيئًا واحدًا: لم يكن عالم ولا متعلم، ولا خفي ولا جلي" (^٦).

(^١) سورة آل عمران: ٧.
(^٢) الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي تحقيق مشهور حسن سلمان ص ٥/ ٧١، ٧٦، دار ابن القيم، الدمام، الطبعة الأولى.
(^٣) تفسير القرآن العظيم ص ١/ ٣٥٢.
(^٤) القائد إلى تصحيح العقائد ١/ ١٨٩، وانظر موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة ١/ ٣٨٦.
(^٥) أي سريع الفهم، لسان العرب ص ٥/ ٤٠٦٤.
(^٦) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة، تحقيق السيد أحمد صقر ص ٨٦ - ٨٧، طبعة دار التراث، القاهرة.

1 / 10

Al-Mutashabih | Usul