المدخل
المدخل
Mai Buga Littafi
دار التراث
Bugun
الأولى
Inda aka buga
القاهرة
حِينَ جَاءَهُ الْأَعْرَابِيُّ فَقَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً فَرَفَعَ إلَيْهِ رَأْسَهُ قَالَ، وَمَا رَفَعَ إلَيْهِ رَأْسَهُ إلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا فَقَالَ «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» فَقَدْ اتَّضَحَ، وَبَانَ مَا يَنْوِي الْمُجَاهِدُ حِينَ خُرُوجِهِ، وَتَلَبُّسِهِ بِالْقِتَالِ.
وَأَمَّا مَا يَقَعُ لَهُ بَعْدَ تَصْحِيحِ نِيَّتِهِ فَغَيْرُ مَا نَوَاهُ لَا عِبْرَةَ بِهِ، وَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَعْرَابِيَّ قَالَ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً فَأَجَابَهُ ﵊ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا نَوَى أَنْ يُقَاتِلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا لَا يَضُرُّهُ مَا اعْتَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قِتَالِهِ غَضَبًا أَوْ حَمِيَّةً أَوْ مَا أَشْبَهَهُمَا؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ، وَنَزَغَاتِهِ، وَهَوَاجِسِ النُّفُوسِ الَّتِي لَا تُمْلَكُ، وَاَللَّهُ ﷿ قَدْ رَفَعَ ذَلِكَ عَنَّا، وَمَنَّ عَلَيْنَا بِتَرْكِ الْمُحَاسَبَةِ عَلَيْهِ بِبَرَكَةِ هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ عَلَى رَبِّهِ ﷿ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] الْآيَةَ ضَجَّ الصَّحَابَةُ ﵃، وَأَتَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلِّفْنَا الصَّلَاةَ، وَالصَّوْمَ، وَالزَّكَاةَ، وَالْحَجَّ فَقَبِلْنَاهُ، وَأَمَّا مَا يَقَعُ فِي نُفُوسِنَا فَلَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ أَوْ كَمَا قَالُوا فَعَلَّمَهُمْ ﵊ الْأَدَبَ مَعَ الرُّبُوبِيَّةِ قَالَ: أَتَقُولُونَ مِثْلَ مَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ سَمِعْنَا، وَعَصَيْنَا،، وَلَكِنْ قُولُوا: سَمِعْنَا، وَأَطَعْنَا فَقَالُوا: سَمِعْنَا، وَأَطَعْنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] إلَى آخِرِ السُّورَةِ فَرَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى الْإِصْرَ عَنْهُمْ، وَعَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْوَسَاوِسِ، وَالْهَوَاجِس.
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي نَحْنُ بِسَبِيلِهِ قَالَ ﵊ لَمَّا أَنْ «جَاءَهُ أَصْحَابُهُ يَشْكُونَ لَهُ مِمَّا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فَقَالُوا: إنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَالَ ﷺ أَوَجَدْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ لِهَذَا» فَقَوْلُهُ ﵊ ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ يَعْنِي فِي دَفْعِهِ، وَتَعَاظُمُ الْأَمْرِ عِنْدَهُمْ لَا فِي نَفْسِ وُقُوعِهِ، وَقَوْلُهُ ﵊ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي
3 / 7