Mafarkai Daga Mahaifina
أحلام من أبي: قصة عرق وإرث
Nau'ikan
كان جدي يبدأ في الضحك مرة أخرى حتى يأتيه السعال، وتغمغم جدتي بصوت خافت أنها رأت أنه من الأفضل أن والدي قد أدرك أن إسقاط الغليون كان مجرد حادث عارض لأنه من يدري ماذا كان سيحدث غير ذلك، وكانت والدتي توجه نظرها إلي وتقول إنهما يبالغان.
كانت أمي تعترف وعلى شفتيها يرتسم شبح ابتسامة: «قد تكون شخصية والدك مسيطرة إلى حد ما.» ثم تستدرك: «لكن هذا في الواقع لأنه شخص صادق للغاية. وذلك يجعله عنيدا في بعض الأحيان.»
كانت أمي تفضل أن ترسم صورة أكثر رقة لوالدي، فتحكي لي أنه حضر لتسلم مفتاح الجمعية الفخرية «في بيتا كابا» مرتديا ثيابه المفضلة؛ بنطلون جينز وقميصا قماشيا قديما عليه صورة نمر. وتقول: «لم يخبره أحد أن الأمر شرف كبير؛ لذا فقد دخل ووجد الجميع يقفون في تلك الغرفة الأنيقة يرتدون سترات رسمية. وكانت تلك هي المرة الوحيدة التي رأيته يشعر فيها بالخجل.»
وكان جدي، بعد أن يستغرق فجأة في التفكير العميق، يبدأ يومئ لنفسه ويقول: «إنها حقيقة يا باري.» ويتابع: «لقد كان بإمكان والدك أن يتعامل مع أي موقف فجعل هذا الجميع يحبونه. أتذكر أنه كان عليه أن يغني في مهرجان الموسيقى الدولي؟ لقد وافق على غناء بعض الأغاني الأفريقية، لكن عندما وصل اتضح أن الأمر ليس هينا، كانت السيدة التي قدمت العرض السابق له مطربة شبه محترفة؛ فتاة من هاواي لديها فرقة موسيقية كاملة تدعمها. كان يمكن لأي شخص عندئذ أن يتوقف، ويتعلل بأن خطأ ما قد حدث إلا باراك. فلم تكن تلك طبيعته؛ فقد نهض وبدأ يغني أمام ذلك الجمع الكبير، وأنا أقول لك إن هذا ليس بالأمر الهين، وهو لم يكن رائعا، لكنه كان واثقا من نفسه فحصل على الفور على الإعجاب نفسه الذي حصل عليه الآخرون.»
وكان جدي يهز رأسه وينهض من على مقعده ويقلب قنوات التليفزيون. وكان يقول لي: «هناك شيء يمكنك أن تتعلمه من والدك.» ثم يستكمل: «الثقة. إنها سر نجاح الإنسان.» •••
كانت جميع القصص تسير على هذه الوتيرة؛ موجزة ومشكوكا في صحتها وتروى في تتابع سريع على مدار أمسية واحدة، ثم تطويها ذاكرة عائلتي لشهور، وفي بعض الأحيان لسنوات. بالضبط مثل الصور القليلة لوالدي التي ظلت في المنزل، وهي صور فوتوغرافية بالأبيض والأسود كنت أعثر عليها عرضا وأنا أبحث في الخزانات عن زينة رأس السنة أو جهاز قديم للتنفس تحت سطح الماء . وفي الوقت الذي بدأت فيه ذكرياتي، كانت أمي قد بدأت بالفعل علاقتها العاطفية بالرجل الذي سيصبح زوجها الثاني، وشعرت دون تفسير لماذا تعين أن توضع الصور بعيدا. ولكن بين الحين والآخر، كنت أحدق - وأنا أجلس مع أمي على الأرض، ورائحة الغبار والنفتلين تنبعث من الألبوم الممزق - في صورة أبي؛ الوجه الأسمر المبتسم، الجبهة البارزة والنظارة السميكة التي تجعله يبدو أكبر سنا من عمره الحقيقي، وأستمع وأحداث حياته تتدفق في قصة يرويها طرف واحد.
علمت أن أبي كان أفريقيا، كينيا من قبيلة «لوو» ولد على شواطئ بحيرة فيكتوريا في قرية يطلق عليها «أليجو». كانت القرية فقيرة، لكن والده - جدي الآخر حسين أونيانجو أوباما - كان مزارعا بارزا وأحد كبار القبيلة، وطبيبا يمتلك قوى شفائية. ترعرع أبي يرعى ماعز والده ويدرس في المدرسة المحلية التي أنشأتها حكومة بريطانيا الاستعمارية، وقد أظهر تفوقا كبيرا في دراسته، بعد ذلك فاز بمنحة دراسية بجامعة نيروبي، ثم في عشية استقلال كينيا اختاره القادة الكينيون والرعاة الأمريكيون للدراسة بجامعة في الولايات المتحدة لينضم إلى أول موجة كبيرة من الأفارقة تبعث لتتقن تكنولوجيا الغرب وتعود بها تبني أفريقيا عصرية جديدة.
عام 1959م وصل أبي إلى جامعة هاواي وهو في الثالثة والعشرين من عمره، ليكون أول طالب أفريقي في تلك الجامعة. ودرس الاقتصاد القياسي واجتهد في دراسته بتركيز ليس له نظير، وتخرج بعد ثلاث سنوات أول دفعته. كان له عدد ضخم من الأصدقاء، وساعد في تنظيم الاتحاد الدولي للطلاب، وكان أول رئيس له. وفي دورة لدراسة اللغة الروسية، قابل فتاة أمريكية خجولة مرتبكة كانت في الثامنة عشرة من عمرها فجمعهما الحب. وأسر والدا الفتاة - اللذان كانا متحفظين في البداية - بجاذبية الرجل وعقليته، وتزوج الشابان وأنجبا طفلا أورثه والده اسمه. ثم فاز الأب بمنحة دراسية أخرى، هذه المرة ليحصل على درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد، لكنه لم يحصل على النقود التي تجعله يصطحب أسرته الجديدة معه. وحدث الانفصال، وعاد هو إلى أفريقيا ليفي بوعده للقارة. وظلت الأم والطفل في أمريكا، لكن بعد المسافة لم يؤثر على رباط الحب.
وهنا تنتهي صور الألبوم، وأبتعد أنا راضيا متدثرا بالقصة التي وضعتني في منتصف عالم شاسع ومرتب. وحتى في الرواية الموجزة التي قصتها علي والدتي وجداي، كان هناك الكثير من الأشياء التي لم أفهمها. لكني نادرا ما سألت عن التفاصيل التي من الممكن أن تحدد معنى كلمة «دكتوراه» أو «استعمار» أو أن أحدد موقع أليجو على الخريطة. بدلا من ذلك، احتل مسار حياة أبي المكان نفسه الذي احتله كتاب اشترته لي أمي ذات مرة، كتاب يسمى «الجذور»، وهو مجموعة من قصص الخلق من جميع أنحاء العالم، قصص لسفر التكوين والشجرة التي ولد عندها الإنسان، وبروميثيوس ونعمة النار، والأسطورة الهندوسية للسلحفاة التي تطفو في الفضاء وتحمل ثقل العالم على ظهرها. وفي وقت لاحق، عندما أصبحت أكثر اعتيادا على طريق السعادة الضيق الذي يوجد في التليفزيون والسينما، أصبحت الأسئلة تعصف بذهني؛ ما الذي يحمل السلحفاة؟ لماذا يترك إله قدير ثعبانا يسبب كل هذا الحزن؟ لماذا لم يعد أبي؟ لكن في سن الخامسة أو السادسة، رضيت أن أترك هذه الألغاز البعيدة دون المساس بها، كل قصة قائمة بذاتها وحقيقية كالتي تليها، تنجرف إلى أحلام هادئة.
وحقيقة أن أبي لم يكن يبدو مثل أي شخص ممن حولي، أنه أسود كالفحم وأمي بيضاء كاللبن، لم تعلق بذهني.
Shafi da ba'a sani ba